جامايكا

  الحياة في كنغستون كما بدت لي عند الوصول

الحياة في كنغستون كما بدت لي عند الوصول

غادرت مطار بنما الدولي غرة عيد الفطر المبارك متوجهاً إلى جامايكا، وتحديداً إلى كينغستون العاصمة، خمسة أيام أخترت لها أن تكون في هذه الجزيرة السمراء.

أول شيء لفت انتباهي قبل دخول الطائرة هو حرص موظفي خطوط طيران كوبا على أن يكون جميع المسافرين يحملون شهادة تطعيم ضد مرض الحمى الصفراء، ليس بسبب تواجد المرض في جامايكا، بل بسبب تواجده في بنما وتخوف الحكومة الجامايكية من قدوم المرض إليها جعلها تطلب كل من كل مسافر قادم من بنما إبراز هذه البطاقة، ومن حسن الحظ كانت هذه الشهادة الصحية متوفرة لدي.

وصلت الطائرة بحمد الله ونزلنا جميعاً لعمل الإجراءات الروتينية، عندما حان دوري قدمت جوازي والذي يوجد به تأشيرة زيارة مسبقة كنت قد اخذتها من السفارة البريطانية في الرياض، فدولة جامايكا تعتبر ضمن أحد الدول التي مازالت تحت المسؤولية البريطانية، لم تسر الأمور حينها على ما يرام، طلبت مني موظفة قسم الجوازات مرافقتها إلى الداخل، وضعت في غرفة متوسطة الحجم لمدة استمر حوالي خمس وأربعون دقيقة حتى حضر المفتش المسؤول ليقوم بالبدء بالتحقيق، استمر التحقيق حوالي أربعون دقيقة، سأل المفتش عن كل شيء، عن موطني وعملي ومصدر دخلي وعن سبب القيام برحلة كهذه أيضاً، ليس هذا فحسب، بل أراد معرفة جميع الدول التي زرتها بالفترة الماضية. قام المفتش بالإطلاع على جميع حجوزات الطيران والفنادق والتأكد من وجود تذكرة للعودة إلى أرض الوطن، والتأكد مما لدي من مبالغ مالية نقدية.

قد تكون جميع هذه الإجراءات والتحقيقات للتأكد من عدم الإقامة في أحد دول البحر الكاريبي بصورة غير نظامية، ولكن، كان الأمر غريباً بعض الشيء عندما سأل عن ديانتي وطلب مني التعريف والتحدث عن الإسلام! سألني حينها إن كنت أنوي زيارة المجتمعات الإسلامية، أجبته بالنفي على الرغم من أني كنت أود ذلك. بعد انقضاء حوالي ساعة وأربعون دقيقة في هذه الغرفة سمحوا لي أخيراً بدخول البلاد بعد تأكدهم من أني لست سوى شخص يهوى السفر والترحال وحيداً.

اخذت حقيبتي وتوجهت مباشرة لمكتب تحويل العملات، ناولتهم ٣٠٠ دولار أمريكي والتي كانت تساوي حوالي ٣٢،٠٠٠ دولار جامايكي، عندما ناولت الموظفة جواز سفري بدت مندهشة قليلاً، أتت إلى أخرى تسألني قائلة: هل مازلتم تسيرون على الجمال كل يوم؟!

خرجت بإستخدام تاكسي المطار متوجهاً إلى بيوت الشباب “ريقا هوستيل” حيث يشتق اسم “ريقا، بشد القاف” إلى موسيقى الريقا المفضلة لدى الجامايكيين. أول ما لفت انتباهي هو قيادتهم بإتجاه اليمين، فربما للإستعمار البريطاني أثر في ذلك، ولكن ما شد انتباهي اكثر هو حب هذا الشعب لمساع الموسيقى وبصوت عال جداً، ان طلبت من أحدهم اخفاض صوت الموسيقى قليلاً سيقول لك بكل عفوية: It’s Jamaica, man!!

كانت المظاهر العامة تشير إلى البساطة والفقر بأغلبها، الشوارع قديمة جداً، لم أرى سيارات حديثة، العديد من المواصلات العامة المنتشرة بكثرة في أنحاء المدينة، كانت الطبقة السمراء هي الوحيدة في هذا البلد نظراً لإنحدارهم من أصول أفريقية، والذين قد أتو بهم من أفريقيا بواسطة الإسبان. تعتبر اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية في البلاد على الرغم من تحدث أفراد الشعب فيما بينهم بلغتهم الإفريقية، أثناء الطريق أخبرني السائق بأن هذه كنجستون الحديثة والقديمة، لم أرى أية فروقات بينهم!

وصلت إلى بيوت الشباب ريقا هوستيل والذي كان يقع وسط حي سكني مليء بكلاب الشوارع، هنا انتبهت لشيء غريب نوعاً ما، عندما ناولت السائق تكلفة نقلي من المطار إلى هنا (والتي تبلغ ٣٥٠٠٠ دولار جامايكي) طلب مني بشكل صريح اعطائه البخشيش! أخبرته بأني لا أملك نقود ذو فئات صغيرة، طلب مني مرة أخرى اعطائه ٥ دولارات أمريكية، أخبرته بأني املك فئة ١٠٠ دولار أمريكي فقط! كانت دهشتي واضحة عندما قالي لي ادخل الى الداخل وأصرف وأعطني البخشيش الذي أريده! وبالطبع، لم أعطه شيء، استنتجت بعدها بأن هذا الشعب صريح في كل شيء.

كنت قد توقعت ان استمع الى موسيقى الريقا هذه المرة، فقد كانت موظفة الاستقبال ذو مزاج عالي، كانت تقوم بإجراءات تسجيل الدخول وهي تغني بمزاج جميل، أخذتني الموظفة في جولة صغيرة للتعريف بما يوجد هنا، ألتقيت حينها بكل من سلمى وكاترينا، وهما فتاتان في الثانية والعشرون من العمر من أيسلند، وهما هنا للعمل في مقهى بيوت الشباب بشكل تطوعي لمدة ستة أسابيع، العمل التطوعي، الأمر الذي لطالما أردت القيام به.

دخلت الى غرفتي المشتركة ذو الأربعة أسرة للصلاة والراحة، كانت الساعة حينها قد تجاوزت الخامسة مساءاً، تذكرت حينها بأني لم أتناول طعام الغداء بسبب ما حصل لي في المطار، خرجت إلى الساحة الخلفية لأجد جميع سكان البيت جالسين مستمعين إلى أغاني بوب مارلي الذي لابد من أن تستمع اليه طيلة فترة تواجدك في هذه الدولة، تعرفت عليهم جميعاً، كان جميع الزوار من أيسلند وفرنسا فقط، كان الأمر بالنسبة إليهم أن يكون بينهم شخص “سعودي” مثير للإهتمام، فلم يعتادو على رؤية الشاب السعودي في بيوت الشباب والتي هي عادة مختلطة ومتواضعة جداً وذو تكاليف رخيصة، وبالطبع، العديد من الأسئلة الروتينية والتي اعتدت في الإجابة عليها بمهارة.

أثناء الحديث لاحظت شيئاً لم يكن في الحسبان، أخرج شاب فرنسي كان يجلس بجانبي سيجارة كانت تبدو لي أنها غير عادية وسرعان ما عرفت بأنها حشيشة الماريجوانا! قام بتدخينها أمامي، ليناولها للفتاتان ذوات الإثنا وعشرون عاماً لتدخينها أيضاً، وفجأة! رأيت كل من كان جالساً يدخن حشيشة الماريجوانا! استنتجت حينها أن الأمر رسمي ومسموح به.

لاحظ الجميع بأني لا أدخن شيئاً فقد ظنوا بأني قد وصلت للتو ولا أمتلك شيئاً، بادر الشاب الفرنسي بإعطائي واحدة، شكرته بلطف بأني لا أدخن ولا أشرب الحشيش! قال لي ممازحا الجملة المعتادة It’s Jamaica, man!!

حينها كنت قد علمت شيئاً مهما في هذا البلد، في جامايكا هناك ٣ عناصر مهمة، موسيقى الريقا، بوب مارلي، والحشيش!!

خرجت من بيوت الشباب مبكرة في صباح اليوم التالي متوجهاً إلى أحد أهم معالم العاصمة أهمية، منزل المغني الشهير بوب مارلي، والذي أصبح متحفاً هذه الأيام، كانت تذكرة الدخول تساوي ٢٥ دولار أمريكي، الأمر الذي لم يجعل جميع سكان البيت على مقدرة من زيارته نظراً لغلاء سعر التذكرة بالنسبة إليهم، استمرت الجولة ساعة ونصف دخلنا فيها إلى المنزل، رأينا جوائزه، استيديو التسجيل، مطبخه وغرفة نومه، رأينا أيضاً أثر الطلقات على جدار منزله حيث تمت محاولة اغتياله، لم يكن التصوير بداخل المنزل مسموحاً نظراً لحقوق الملكية الفكرية والتي أصبحت تابعة للدولة.

  من مدينة إلى أخرى عبر سيارة متهالكة

من مدينة إلى أخرى عبر سيارة متهالكة

غادرت العاصمة قبيل الظهيرة من اليوم التالي متوجهاً إلى مدينة ساحلية تقع شمال البلاد وتدعى بورتو أنتونيو، لم تكن الطرق المتاحة للوصول هناك جيدة بالنسبة لي، اضطررت للركوب مع أحد السكان المحليين في سيارته المتهالكة لإيصالي إلى منتصف الطريق، ومن المنتصف ركبت باصاً لإكمال الطريق في زمن يستغرق الساعتان. جميع السائقين في جامايكا يمتازون بالتهور اللامحدود أثناء القيادة، مالفت إنتباهي حقاً هو الباص المتوسط الحجم والذي هو بعادته مخصصاً لإستيعاب ١٥ راكباً فقط، ولكن، من الطبيعي أن ترى ٢٥ راكباً فوق بعضهم البعض، فالمهم هو كسب المال ومن الواضح أن الشعب معتادٌ على ذلك، كان الباص يتوقف بين حينة وأخرى ليركب أناس آخرون، كنت أتسائل أين يركب هؤلاء فالباص ممتلئ؟! كنّا متلاصقين ببعضنا البعض لحد الإختناق، لم يكن هناك مكان لحقائبي لذا وضعتها جميعها فوقي، ولكم تخيل ذلك، علاوة على ذلك ترى الباص يسير بسرعة هائلة في جو حار بنوافذ جميعها مفتوحة، وبالطبع، أغاني بوب مارلي المفضلة طيلة الطريق، هذه هي الحياة في جامايكا.

  تكدس الركاب في باصات النقل العام أمر طبيعي في جامايكا

تكدس الركاب في باصات النقل العام أمر طبيعي في جامايكا

وصلت بحمد الله وعافية بعد هذه المعاناة إلى وسط مدينة بورتو أنتونيو، ركبت سيارة أجرة متوجهاً إلى بيوت الشباب والذي يقع خارج المدينة بطريق يصعب الوصول إليه، كنت في قمة الجوع حينها، لم يكن لي خيار سوى طبخ ما توفر من طعام الذي وفره لي مالك البيت.

ارتحت قليلاً ريثما يعود جميع سكان البيت الذين كانو في نزهة الى الشاطئ، في نفس الوقت وصلت إمرأة عرفت فيما بعد أنها فرنسية واسمها لويس، كانت المصادفة أن يوم عودتها إلى العاصمة هو بعد يوم الغد في نفس يوم عودتي، أيضاً بالنسبة لأمر المسكن، فقد كانت تسكن في نفس بيوت الشباب ريقا هوستيل؟ بل أن يوم مغادرتها للبلاد هو في اليوم الذي يليه تماماً كحالي، مصادفة غريبة ورائعة جعلتنا نكمل السفر سوياً طيلة بقاؤنا في جامايكا وفرنا من خلالها تكاليف النقل بواسطة سيارات الأجرة.

  من مقر سكني في بورتو أنتونيو

من مقر سكني في بورتو أنتونيو

 غداء شهي في بورتو انتونيو

غداء شهي في بورتو انتونيو

زرت في اليوم التالي عائلة كنت قد تعرفت عليهم مسبقاً، خططنا حينها للذهاب إلى نهر يدعى “ريو جراندي” ذهبت بصحبة الأم وابنيها ذوي الحادي عشر والثالث عاماً في سيارة واحدة، قضينا حوالي الساعتان ونصف على النهر بأكمله والذي يمتد إلى مسافة ١١كم، كانت محاولة التجديف صعبة ومرهقة بالنسبة لي، أما بخصوص الطعام الجامايكي فلا بأس به.

خرجت في اليوم الذي يليه بصحبة الآنسة لويس إلى محطة الباصات، فنحن جميعاً نخطط للعودة إلى العاصمة في نفس اليوم، كان الباص أكبر حجماً هذه المرة، وصلنا إلى كنجستون العاصمة في تمام الواحدة والنصف ظهرا لنذهب حينها إلى نفس بيوت الشباب السابق ريقا هوستيل، استقبلتنا نفس الإمرأة المرحة، ارتحنا جميعاً ومن ثم خرجنا للذهاب إلى المتجر لشراء بعض الحاجيات. خرجت أنا ولويس وفتاة ألمانية قررت مرافقتنا جميعاً للسير إلى المتجر، خلال الطريق أخبرتنا الفتاة الألمانية أنها تعرضت للكثير من التحرش والتحديق بها، كان الشباب الجامايكيين ينادون الفتيات البيض بالأميرات، الملكات! كانوا يطلبون مرافقتهن وكانو يطلبون التقاط صور معهم بكل عفوية وبطريقة مزعجة أحياناً، لم يجرؤ أحد على فعل ذلك معهن عندما كُنّ الفتيات برفقتي، فقد كانوا يظنون أنني جامايكي ولا يجوؤون على فعل شيء!! وعلى الرغم من ذلك، كان يحضر البعض ليسألني قائلاً: “are these girls are yours?!!” لم نجد جميعاً تفسيراً لذلك سوى بأن شباب هذا البلد محروم من رؤية البشرة البيضاء.

خلال تجولي في العاصمة رأيت مصادفة مطعماً عربي عرفت فيما بعد أن مالكه شاب سوري كان قد مضى على إقامته في جامايكا حوالي تسع سنوات، تناولت طعام الغداء عنده، كان هذا المطعم هو أجمل مطعم رأيته في جامايكا!