نيكاراغوا

نيكاراغوا، الدولة الواقعة بين كل من المحيط الهادي والبحر الكاريبي، الدولة الشهيرة بكثرة البحيرات والشواطئ والبراكين والهندسة المعمارية القديمة المستمدة من إسبانيا الأندلس، سيناقش هذا التقرير زيارتي لأحد أقدم مدن نيكاراغوا والتي تعرف بإسم “غرناطة”.

بعد قضاء ثلاثة أيام في مدينة تيغوسيغالبا عاصمة جمهورية الهندوراس، والتي كانت مدينة آمنة بطبعها في الصباح لا المساء، كان يشير خط سير الرحلة إلى نيكاراغوا، الدولة التاسعة والماقبل الأخيرة في هذه الرحلة.

خرجت صباحاً من بيوت الشباب الواقع في قلب العاصمة متوجهاً إلى محطة الباصات (تيكا باص) حيث من المقرر السير في رحلة برية إلى مانغوا عاصمة نيكاراغوا في رحلة برية تستغرغ حوالي الثمان ساعات ونصف، متخطياً بذلك الحدود البرية للبلاد.

انطلق الباص في تمام التاسعة صباحاً من مركز المدينة متوجهاً في طريق جبلي وعر متعرج، ولكن، رغم هذا التعرج كانت المناظر الخلابة المنتشرة طول الطريق كفيلة بنسيان كل شيء، وصلنا إلى الحدود البرية بعد حوالي أربع ساعات ونصف، منظر الحدود بين البليد بائس وكئيب جداً، سوق سوداء في كل مكان، تستطيع تبديل العملات، شراء شرائح الجوال، أو حتى تناول طعام الغداء هناك، لا يجدر بنا الحديث عن نظافة الطعام في مكان كهذا، فقد اعتدت على كل شيء!

عند دخول نقطة الحدود الخاصة بنكاراغوا، كان هناك “كشك” صغير، وهو عبارة عن مكتب صحي لا أعلم ما هو الفائدة منه، كان جميع المسافرين يدخلون إلى هذا المكتب الصحي ولا يستغرق الأمر أكثر من ٢٠ ثانية! عندما حان دوري لدخول المكتب كان كل ما قلته لهم هو “لا أتحدث الإسبانية” ليعطيني ورقة صغيرة لم أعلم ماهي الفائدة المرجوة منها!

كان يتوجب على جميع الداخلين إلى نيكاراغوا، الإفصاح عن محتويات الحقائب وتفتيشها، لم أستغرق الكثير من الأمر ولم يتم تفتيش حقيبتي، فمالذي من الممكن أن يوجد وسط حقيبة ترحال صغيرة مهترئة غابرة!؟ ولكن ما لفت إنتباهي فعلاً هو كثرة الأطفال الصغار الذين لم يتجاوزو الثاني عشرة من العمر، والذي كانوا يعملون في حمل الحقائب الثقيلة بغية الحصول على أجر قليل.

بعد انقضاء جميع المسافرين توجه الباص في طريقه إلى العاصمة ماناغوا، في طريق مسطح مستويٍ بعكس الطريق الجبلي السابق في هندوراس، قرابة الأربع ساعات حتى وصلنا إلى مدينة ماناغوا.

في الطريق إلى ماناغوا مر الباص على مدينة صغيرة تدعى ليون، هناك حصل ما لم يكن في الحسبان، إذ اصطدم الباص بسائق دراجة نارية أدى ذلك إلى تقلب سائق الدراجة عدة مرات رأساً على عقب مخلفاً بذلك جروح عميقة، أول ما لاحظته عندما استيقظ الرجل المصاب هو إدخال يده في جيبه وإخراج مسدس ناري! حينها علمت بأن مستوى الأمان في هذه البلد شبيهة بجيرانها، قام أحد المارة بتهدئته سريعاً لديخل المسدس في جيبه مرة أخرى، توقف بجانبنا باص كان يسير معنا في نفس الطريق، اضطررنا حينها لنقل جميع حقائبنا الى الباص التالي تاركين الباص السابق لحين اتمام إجراءاته.

وصلت إلى مناغوا العاصمة بعد مغيب الشمس، حاول سائق الأجرة سرقتي بمبلغ أجرة عالي لكن الأمر أصبح سهلاً لرجل أمضى على إقامته شهر ونصف في الأراضي اللاتينية، الشيء الغريب الذي لاحظته في مناغوا (ونيكاراغوا عموما) هو الشراكة في ركوب سيارة الأجرة، تماماً حال الأمر في بنما، إذ لا يعتبر أمراً غريباً أن يتوقف سائق سيارة الأجرة ليركب شخصاً آخر معك طالماً يسير في نفس الطريق! الحياة سهلة هنا ولكن غير آمنة بتاتاً!

وصلت إلى بيوت الشباب الذي كان خالياً من السكان بسبب موقعه الغير استراتيجي، فهو يقع أحد أشد الأحياء خطورة، لم أكن أعلم بهذا الأمر ولكن لحسن الحظ أنني لن أقيم هنا سوى ليلة واحدة فقط، استقبلني الرجل مالك المنزل واخذني إلى غرفتي، بعد قليل من الراحة خرجت للبحث عن شيء اتناوله، مشيت قرابة العشرون دقيقة في طريق مظلم مخيف إلى حد كبير، ما أقار استغرابي هو السياجات الأمنية الموجودة أمام المنازل، الأمر الذي يثبت بأن هذه المدينة ليست آمنة!

بعد تناول العشاء اوقفت سيارة الأجرة لإيصالي إلى المنزل، حينها حضرت إمرأة من عناصر الشرطة عندما لاحظت أنني غريب عن المكان ولا أتحدث لغتهم بإتقان، طلبت مني هاتفي، كتبت بداخل هاتفي رقم هافتها النقال! وقامت بتسجيل رسم سيارة الأجرة وطلبت مني أنه إذا حصل لي مكروه أن أتصل بها فوراً، في الطريق، توقع السائق لتعبئة البنزين، حينها حضر أطفال بالقرب من السيارة وانا ماسك هاتفي بيدي، طلب من السائق فوراً بإدخال هاتفي بيدي! مالذي يجعلني أقيم في مدينة كهذه؟!

في ظهر اليوم التالي توجهت إلى مدينة تدعى غرناطة، إذ يشتق إسم المدينة من مدينة غرناطة الأندلسية، فهي مدينة تاريخية عريقة تستحق نيل هذا الإسم، أقمت في غرناطة في بيوت للشباب ولمدة يومين فقط، إذ كان الهدف هو رؤية المدينة القديمة وزيارة الحمم البركانية والتي تسمى بحمم ماسايا البركانية، ذهبت إلى محطة الباصات التي كانت قريبة من مقر سكني في فترة الظهيرة، رأيت العديد من الباصات والتي يجب علي أن أركب أحدها وانتظر قرباة الساعة حتى الإنطلاق، عرض علي أحدهم إيصالي إلى غرناطة بمبلغ إضافي قليل، واقفت ببعض التردد شرط أن يوصلني وحدي ولا يتوقف أياً كان الأمر! لا أدري فيما كنت أفكر عندما اتخذت قراراً كهذا.

تحركت السيارة في تمام الواحدة ظهراً لتصل بعد ساعة كاملة إلى غرناطة المدينة التاريخية والتي هي أفضل من العاصمة ماناغوا كثير، بل ويزيد بها مستوى الأمان كثيراً مقارنة بمناغوا، أوصلني السائق إلى بيوت الشباب لأضع حقائبي واخرج للبحث عن شيء أتناوله.

خلال تجولي في دول أمريكا اللاتينية كنت قد فعلت العديد من الأنشطة، لذا فلم أركز هنا الا علي ما هو نادر، وأندر ما قد تجده في نيكاراغوا هو البراكين الهائلة التي تستطيع رؤيتها على مقربة من فوهة البركان، وهي فرصة نادرة لا أظن أنها تتكر في بقية الدول، نسقت مع أحد المكاتب السياحية بالتعاون مع بيوت الشباب وذهبت في صحبة من المسافرين الرحالة الشباب إلى سجن قديم كان يستخدم أثناء الثورة الإسبانية في نيكاواغوا، ومن ثم توجهنا مباشرة إلى الحمم البركانية، أخبرنا المرشد السياحي أننا محظوظين للغاية بسبب أنه وبالليلة السابقة كان الدخول لمشاهدة الحمم البركانية مغلقاً بسبب تواجد مجموعة ناشيونال جيوغرافيك هنا للتصوير.

 الحمم البركانية كما تبدو عند رؤيتها - سبحان الله

الحمم البركانية كما تبدو عند رؤيتها - سبحان الله