المكسيك

بعد رحلة استمرت قرابة الأربعة أيام في جمهورية كوبا، والتي نالت حقاً على اعجابي ودهشتي، مضيت مستمراً في رحلتي اللاتينية المتمثّلة بدول أمريكا الوسطى، وتحديداً هذه المرة، المكسيك.

  مطار المكسيك الدولي

مطار المكسيك الدولي

كان خط سير الرحلة هذه المرة مباشراً عكس رحلة الذهاب إلى كوبا، فقد أقلعت طائرة “انتر جت” من هافانا متوجهة إلى مكسيكو سيتي العاصمة في رحلة استغرقت حوالي الساعتان ونصف فوق البحر الكاريبي، إذ أصل بحمد الله قبيل مغيب الشمس بقليل.

كان الأمر سهلاً بالنسبة لتأشيرة الدخول ولأول مرة منذ أن وصلت أراضي أمريكا الوسطى، فإنه يسمح لك بدخول البلاد بالتأشيرة الأمريكية دون الحاجة إلى تأشيرة مكسيكية مستقلة، كان الأمر سهلاً سريعاً متضمناً نفس الإجراءات الروتينية المعتادة.

كانت صالة المطار رقم ١ (وهي مخصصة لخطوط الطيران الأجنبية) تحتوي تقريباً على كل شيء، فهناك العديد من المطاعم، الفنادق، المقاهي ومحلات الإتصال، فضلاً عن المراكز التجارية والصيدليات، استخرجت شريحة اتصال تحتوي على كمية كافية من الإنترنت ومن ثم خرجت للذهاب إلى محطة القطار مستخدماً وسيلة النقل العام للذهاب إلى بيوت الشباب حيث سأنام الليلة، كانت حينها قد غابت الشمس تماماً.

  قوات مكافحة الشغب في مكسيكو سيتي

قوات مكافحة الشغب في مكسيكو سيتي

عندما خرجت من محطة القطار واصلاً الحي الذي سأكن به، رأيت منظراً مريباً بعض الشيء، كان الحي عبارة عن سوق شعبي مظلم وخالي ومليئ بمخلفات السوق، لم يكن هذا ما يخيفني، بل كثرة سيارات الشرطة التي ملئت الشارع أشعرتني بأن هذا المكان غير آمن بما فيه الكفاية، خصوصاً مع حلول الظلام، انتابتني الرهبة قليلاً، فمقر سكني يبعد حوالي الثلث ساعة سيراً على الأقدام، كيف سأسير في هذا الليل بين الأزقة في حي يكثر به رجال الشرطة؟!

وصلت بحمد لله إلى مقر سكني، وهو بيوت للشباب يدعى (مكسيكو سيتي هوستيل) أصنفه كأحد أفضل بيوت الشباب اللتي سكنت بها في أمريكا الوسطى، إضافة على أنه يقع في موقع مميز جداً (وسط المدينة التاريخية المليئة بالكثير من الأماكن السياحية) إلا أنه ذو مستوى عالٍ من الأمان والنظافة أيضاً.

كانت الساعة حينها قد تجاوزت التاسعة مساءاً، لذا لم تكن هناك أي نشاطات سوى القيام بجولة بسيطة حول المنطقة، كان الجو يقترب من البرودة بدرجة حرارة ١٧ درجة مئوية، لاحظت ببادئ الأمر وجود العديد من رجال الأمن وقوات مكافحة الشغب بالمنطقة، أدركت حينها مستوى الأمان اللي تعيش بها مكسيكو سيتي، إلا أن المنطقة التاريخية منطقة سياحية بحتة وآمنة بمجملها، جولة بسيطة وعشاء خفيف ومن ثم النوم.

كان يومي التالي في المكسيك شبه عام، لم أنوي وقتها زيارة العديد من المعالم، إذ لا أحبذ البقاء في العاصمة (ذات الـ٢١ مليون نسمة) كثيراً لذا فقد كان يومي مقسم ما بين زيارة بعض القصور الأثرية في المنطقة وبعض من المواقع الحيوية المنتشرة في المدينة فقط.

جواناخواتو

كانت وجهتي التالية بعد الوصول والراحة في العاصمة هو الذهاب إلى أحد البلدان التاريخية المسجلة رسمياً في منظمة اليونيسكو العالمية، إذ تقع المدينة في شمال وسط المكسيك بمساحة تتجاوز 30.500كم، وفي وسط جبال يكون الوصول إليها عبر أنفاق كانت قد حُفِزَت بشكل تقليدي وجميل جداً، الوصول إلى هذه المنطقة عبر مطار مدينة “ليون” ومن ثم التوجه إلى جواناخواتو في زمن لا يتجاوز النصف ساعة تقريباً.

ما يميز هذه البلدة كثرة المرتفعات، الأزقة الضيقة ومنازلها الصغيرة المتلاصقة ببعض بألوان زاهية مشكلة بذلك لوحة فنية رائعة، فضلاً عن أناسها الطيبون جداً والذين ما زالو متمسكين بعادات وطبائع أهل القرى المتسمة بالإبتسامة الدائمة على وجوههم. هناك العديد من المتاحف والقصور والمعالم التاريخية التي تستطيع زيارتها، بالإضافة إلى جامعة جواناخواتو، والتي تعتبر أشهر جامعة في المقاطعة، وبالطبع، لا تنسى الصعود إلى القمة ورؤية المدينة من الأعلى وبالحديث عن الطعام، فلا تنسى تناول وجبة التاكو الشهيرة من الباعة المتجولين، وبالطبع، لن تشعر بالجوع في المكسيك.

يوم إضافي في مكسيكو سيتي

  بعد عدة محاولات لصعود الطائرة، جلست في وسط المطار للقليل من الراحة

بعد عدة محاولات لصعود الطائرة، جلست في وسط المطار للقليل من الراحة

كان من المقرر أن يكون موعد إقلاع الطائرة في الحادي عشر وخمس وأربعون صباحاً من مطار مدينة ليون على خطوط طيران (ايرو مكسيكو) لأصل إلى مكسيكو سيتي قبيل الواحدة ظهراً بقليل، ومن ثم الإقلاع مرة أخرى على خطوط طيران أخرى تدعى (فيفا آيروبص) في الثانية وخمس وأربعون ظهراً والتي كانت متجهة بدورها إلى كانكون، أي أنه هناك وقتاً كافياً للوصول والتبديل بين الرحلات، الا ان هناك أمراً كنت اتوقع حدوثه وهو تأخر الرحلة الأولى لمدة ساعة ونصف تقريباً الأمر الذي أدى إلى ضياع الرحلة الثانية مما اضطرني إلى إعادة الحجز مرة اخرى في اليوم الذي يليه، وبسبب الإرهاق اضطررت للسكن في فندق يقع في وسط المطار، فلا حاجة لي للتجول في العاصمة، قضيت اليوم كله متجولاً في ساحات المطار

تشنتشن إيتزا

وهي أحد أهم المدن التابعة لحضارة المايا وأكثرها شهرة بجانب جواتيمالا، اختلف العلماء بمعنى اسم المدينة، فهناك من يقول أن "تشي" تعني فم، فيما تعني "تشن" جيد، أو حسن، وايتزا تعود إلى أسم أحد قبائل المايا، هناك من قال ان معناها الماء، هناك روايات أخرى ترجح بأن تشيتشن ايتزا تعني سحر الماء، وعلى الأرجح أن اسم المدينة يدل على شيء له علاقة بالماء.

بنيت هذه المدينة في القرن الخامس قبل الميلاد، أي أن عمرها الحالي يزيد على 2500 سنة، وتقع في الجزء الشرقي من ولاية يوتان في المكسيك، اكتشفت هذه المدينة في القرن التاسع عشر من قبل عالم آثار يدعى إدوارد هربرت تومبسون، فيما تم تسجيلها رسمياً في منظمة اليونيسكو العالمية.

هناك عديد من الأساطير التي تدور حول هذه المدينة، أهمها الهرم الشهير (والذي يدعى كوكولكان) وهو هرم يحتوي على 365 درجة كنفس عدد أيام السنة، ويقال بأنه مخصص لتقديم الأضاحي والقرابين، بل ويقال أيضاً بأن النساء العذارى كن يلقين هناك وقت الجفاف كنوع من التضحية! ليس هذا فحسب، بل أن هناك ثعبان كبير يخرج مو فوهة الهرم متنقلاً بين الهرم والبئر المجاور لنقل الماء! لهذا السبب ترى علامات لمقدمة الثعبان في أسفل الدرج!

وصلت بعد تأخر يوم كامل إلى كانكون، المدينة الساحلية المليئة بالسياح والذي تختلف في نظري تماماً عن باقي مدن المكسيك، كان اغلب العاملون في المحلات يتحدثون الانجليزية، كنت أرى بعضهم يستخدم الدولار الأمريكي بعكس المدن الأخرى والتي كانت تستخدم عملة البيسو فقط، لم أشأ البقاء في هذه المدينة، فقد كان سبب زيارتي إلى الساحل الشرقي من المكسيك هو زيارة أهرامات المايا.

استلمت سيارتي الصغيرة المتواضعة (ذو ناقل حركة -جير- عادي) وتوجهت مباشرة إلى محل إقامتي والذي سيكون في وسط مدينة المايا -تشنتشن إيتزا- كان الطريق يمر وسط العديد من المزارع في مشهد جميل نفتقده كثير في صحرائنا القاحلة، اتذكر حينها انه هطلت أمطار شديدة جعلتني أتوقف عن السير فترة، تمكنت حينها أخيراً من الوصول إلى الفندق وزيارة الهرم الشهير (كوكولكان) عدت بعدها في اليوم التالي إلى كانكون إستعداداً للذهاب إلى بيليز.

بالحديث عن حضارة المايا، تشير الأساطير بأن الحياة تحتوي على عدة أزمنة مختلفة، هناك حياة على سطح الأرض، حياة في السماء، وحياة تحت الأرض تدعى "شيبالباه" تحدثت عنها لااتفصيل في هذا الفيديو التالي: