كوستاريكا

كوستاريكا، أو كما تسمى بالساحل الغني، الدولة المطلة على كل من البحر الكاريبي والمحيط الهادي، أحد أشهر دول أمريكا الوسطى سياحة، وأغلالها بالطبع، سأشرح في هذا التقرير بإختصار فترة إقامتي في كوستاريكا والتي امتدت قرابة الإثناعشرة يوماً.

التقسيم الجغرافي

تنقسم دولة كوستاريكا إلى تسعة مناطق مختلفة في أنشطتها وتضاريسها، فهناك مناطق حارة، مناطق رطبة وأخيرة باردة ومرتفعة، من الأفضل أختيار زيارة منطقتين أو ثلاث مناطق كأقصى حد والإستمتاع بأنشطتها المختلفة، إن كنت من محبي الحياة الطبيعية والبرودة فقد تكون المناطق الوسطى هي الأنسب بالتأكيد.

بداية هناك منطقة البحر الكاريبي والتي تقع شرق الدولة، تحتوي على أربعة مناطق رئيسية أشهرها بما يسمى بـ Limon، هناك أيضاً منطقة في منتصف الدولة الشهيرة بأجوائها الباردة وذلك بسبب ارتفاع المنطقة عن سطح البحر، وأشهر ما يمكنك زيارته في المنطقة الوسطى هي الغابات السحابية في كوركوڤادو، أما عن المنطقة الثالثة فهي أيضاً في المنطقة الوسطى ولكن مطلة على المحيط الهادي، فهي منطقة مناسبة للأنشطة المائية، أما إن كنت من محبي حياة المدن فهناك المنطقة الوسط المنخفضة والقريبة من مستوى سطح البحر، فضلاً عن المناطق الشمالية والشرقية وأقصى الجنوب من الدولة، والتي تمتاز كل منطقة بتضاريس وأنشطة مختلفة، خلال تواجدي في كوستاريكا زرت شمال ووسط وأقصى جنوب الدولة.

مليئة بالأمريكان

كنت عندما ألتقي ببعض السواح خلال تجوالي في الأراضي اللاتينية، كنت أسألهم عادة عن الدول التي من الممكن أن قد زاروها للإستفادة من تجارب ونصائح بعضنا البعض، كنت أرى الجميع يردد علي نفس العبارة “إنها مليئة بالسياح الأمريكان، اللغة الإنجليزية هي السائدة هنا!” دول مثل نيكاراغوا، هوندوراس وسلفادور مازالت بطبيعتها العذراء التي لم تتأثر بكثرة السياح، ساعدني ذلك كثيراً بتعلم اللغة الإسبانية، فضلاً عن تناول الطعام المحلي الذي لم أكن لأجد سواه في تلك البلدان، عند زيارتك لكوستاريكا ستلاحظ الإختلاف الجوهري عن بقية دول أمريكا الوسطى، ففي كوستاريكا لن تجبر على تعلم اللغة الإسبانية حتى تستطيع التواصل مع الأخرين، في كوستاريكا ستجد أصناف الغذاء العالمية هي السائدة، الأمر الذي قد لا يجعلك تشعر بأنك تعيش تجربة وروعة المكان، فكل شيء هناك مرتب كي يناسب السياح والسياح فقط، ولهذا السبب أصبحت كوستاريكا أغلى دولة في أمريكا الوسطى من حيث تكلفة السكن والمعيشية عموماً (وجهة نظر شخصية)

تأشيرة الدخول

تعتبر دولة كوستاريكا هي أحد الدول التي تستطيع دخولها إن كنت تملك تأشيرة دخول أمريكية سارية المفعول، وإن كان سبق لك زيارة الولايات المتحدة الأمريكية فستستطيع دخول كوستاريكا بكل سهولة ولمدة تسعون يوماً.

الحدود البرية

توجهت في الحادي عشر من شهر أغسطس ٢٠١٦ من غرناطة، أحد مدن دولة نيكاراغوا بواسطة الباص إلى حدود نيكاراغوا كوستاريكا البرية، كانت المدة الزمنية للوصول إلى الحدود حوالي .. ساعات، قام موظف الباص بأخذ جميع جوازات الركاب حتى يقوم بإجراءات الخروج من دائرة الهجرة، لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً، خلال انتظار إنهاء إجراءات الجوازات كنت أتجول في الساحة العامة في القسم النيكاراغوي، كان المكان أشبه بسوق سوداء، هناك العديد من مبدلين العملات (يجب الحذر من التعامل معهم، ففي الحدود الكوستاريكية يوجد بنك يحول العملات بسعر صرف ممتاز جداً) كان هناك أيضاً باعة متجولون يبيعون شرائح اتصال ذو انترنت (خدعني احدهم بأن باعني شريحة اتصال ذو انترنت لا محدود، ولكن تفاجئت لاحقاً بأنها تحتوي على ٤٠٠م.ب فقط!) هناك أيضاً السوق الحركة (بشكل بسيط جداً) فضلاً عن المأكولات المحلية والتي ترعاها الأسر المنتجة التي تود كسب عيشيها بهدوء.

عند الوصول إلى كوستاركا توجب على جميع الركاب أخذ حقائبهم والتوجه إلى مكتب الجوازات، كنت محظوظاً عندما نزلت سريعاً لأقف بأول الطابور، لم يطل الوقت حتى وصلت إلى الموظف المختص، الذي ما إن رأى جوازي حتى طلب مني أن أريه إثبات مغادرة البلاد، أريته فوراً حجز الطائرة الذي سيكون من العاصمة سان خوسيه إلى بنما، قام الموظف حينها بالتختيم على جوازي سريعاً ومن ثم توجهت إلى مكتب الجمارك الذي سمح لي بأن أمر من خلاله مرور الكرام بعد أن رأى بأن لا أحمل سوى حقيبة الترحال الصغيرة، بعد ذلك توجه الباص إلى ليبيريا الواقعة شمال الدولة في طريق جبلي متعرج، طريق أعطى لدي انطباعاً أولي عن كمية الطبيعة الخلابة الموجودة في هذه البلاد.

ليبيريا – الحديقة الوطنية

 عند وصولي إلى ليبيريا، بعد رحلة باص طويلة، وبعد أكثر من ٥٠ يوم في الأراضي اللاتينية

عند وصولي إلى ليبيريا، بعد رحلة باص طويلة، وبعد أكثر من ٥٠ يوم في الأراضي اللاتينية

وصلت إلى الوجهة الأولى في منتصف الظهيرة، ليبيريا، مدينة صغيرة كئيبة لا تحتوي على أية معالم تذكر، لهذا قد تجد أغلب المسافرين الرحالة يتجاوزون هذه المدينة ويذهبون إلى العاصمة مباشرة، إلا أنه يوجد بها حديقة وطنية تحتوي على الكثير من الينابيع الساخنة والفوهات البركانية التي كانت سبب توقفي وبقائي في هذه المنطقة، وبالطبع، ليس بالمدينة نفسها، فقد قررت الإقامة بأحد الفنادق التي تقع بداخل الحديقة الوطنية ولمدة يومين فقط، كان الفندق المسمى بـ Hotel Hacinda Guachipelin غالي بعض الشيء، إلا أنه هذا حال معظم الفنادق في كوستاريكا، بالنسبة لي كان لا بد من بعض الراحة خصوصاً بعد العديد والعديد من السكن في بيوت الشباب وبيوت الضيافة، كان يومي الأول مجرد يوماً للراحة بعد الرحلة البرية الطويلة قادماً من نيكاراغوا.

في صباح اليوم التالي، وبنشاط وهمة عاليان وبعد الإفطار توجهت إلى رحلة السير الأولى والتي امتدت حوالي ساعتين ونص بين الغابات، كنت أرى أثناء تجولي العديد من الينابيع الساخنة بمظهر لم أري مثله من قبل، فضلاً عن كثرة الأشجار وكثرة الأصوات الغريبة التي لن تسمع مثلها سوى في هذه الغابات، في نهاية الجولة كان لا بد من الإستمتاع بالسباحة تحت العديد من الشلالات.

سانتا إلينا – مونتيڤوردي

بعد قضاء يومين في أقصى شمال الدولة في ليبيريا، توجهت بالباص إلى منطقة مرتفعة في تضاريسها، منطقة تدعى سنانتا إلينا، وهي شهيرة بما يسمى بالغابات السحابية، فارتفاع المنطقة جعل منها قريبة جداً من مستوى السحاب الذي يصل مستوى الحدائق والمنازل، من الجدير بالذكر بأن هناك حوالي ٢٠كم من الطريق الجبلي للوصول إلى سانت إلينا غير معبد، ولكن بعد الإنتهاء من الطريق الوعر لك أن تتخيل روعة المنظر من الأعلى، حيث بإمكانك رؤية كل من البحر الكاريبي والمحيط الهادي في نفس الوقت، وهو أمر لن تراه في جميع دول أمريكا الوسطى. صور من الاعلى قبل الوصول

سكنت في فندق أقل ما يقال عنه أنه أكثر من رائع، اسمه Monteverde Lodge & Gardens وهو فندق يحتوي على حديقة رائعة جداً تحتوي على الكثير من الزهور والنباتان الطبيعية والفراشات التي تدور حولك في كل مكان، قمت مسبقاً بالتنسيق مع الفندق لترتيب بعضاً من الجولات السياحية طيلة فترة إقامتي والتي استمرت ثلاثة أيام، والتي أمتدت إلى أربعة أيام حيث قررت الإقامة بهذا المكان وقتاً أطول نظراً لإعجابي الشديد بهذه المنطقة.

بدأ نشاطي في صباح اليوم التالي بعد الإفطار مباشرة بالتوجه إلى الحديقة الوطنية والتي تسمى بحديقة الغابة السحابية The Cloud Forest National Park وسبب تسميتها بهذا الإسم هو كثرة مرور السحاب وسط الحديقة، الأمر الذي جعل منها حديقة سحابية حقاً، كانت هناك فرصة رؤية العديد من الطيور في هذه الحديقة الوطنية الرائعة، قضيت الجزء المتبقي من اليوم في حديقة الفراشات.

كانت الوجهة في صباح اليوم التالي هي زيارة مزارع القهوة الشهيرة بالمنطقة، إذ تعتبر كوستاريكا واحدة من أفضل مصادر القهوة حول العالم، توجهت إلى المزرعة التي لم تكن تحتوي على القهوة فقط، بل وعلى بذور الكاكاو بالإضافة لقصب السكر، مما أتاح لي فرصة الإطلاع عليهم وعيش تجربتهم جميعاً.

كان اليوم الثالث في سانتا إلينا أحد أجمل الأيام الباردة في كوستاريكا، إذ سرت إلى الجسور العالية والتي تقع على ارتفاع يتجاوز ١٦٠٠م فوق سطح البحر، كانت الجو بارد جداً حينها إلا أن المنظر كان يستحق التجربة، استطعت خلال تلك الرحلة رؤية كل من البحر الكاريبي والمحيط الهادي وأنا بنفس المكان.

سان خوسيه – العاصمة 

بعد قضاء عدة أيام في سانتا إلينا توجهت بعدها إلى العاصمة ليوم واحد فقط من أجل الراحة قبل التوجه إلى أسفل الدولة، كانت تلك فرصة مناسبة جداً للسير على ثاني أطول طريق في العالم، الطريق الذي يبدأ من أمريكا الجنوبية وتحديداً الأرجنتين، وينتهي في ألاسكا بطول يصل إلى ٢٣ ألف كم، إذ شيدته الحكومة الأمريكية ويعتبر هذا الطريق ثاني أطول طريق في العالم بعد روسيا.

بالحديث عن نسبة الأمان في كوستاريكا، تعتبر سان خوسيه العاصمة المدينة الوحيدة في الدولة التي قد يقل بها نسبة الأمان في بعض الأحياء مقارنة بباقي المدن، ولا غرابة في ذلك، فمن المتعارف عليه أن العواصم والمدن الكبيرة تكون مكتظة بالسكان وقد لا تكون آمنة على جميع الأصعدة، إضافة إلا أنه لا يوجد بها -على حد تعبيري- سوى كثرة ضجيج السيارات وكثرة المباني التي أزالت ماتبقى من مناظر طبيعية، لهذا السبب لم أفضل سوى البقاء لليلة واحدة فقط سكنت بها في بيوت للشباب يدعى .. واستغليت إقامتي بزيارة مسجد عمر، المسجد الوحيد في كوستاريكا، صليت هناك كل من صلاتي الظهر والعصر وإلتقيت بإمام المسجد.

أذكر أنه خلال تجولي في شوارع سان خوسيه العامة، وقع نظري على أحد المحلات الغريبة الخاصة بالأديان السماوية، إذا كان المحل يجمع مابين كل من ديانة الإسلام، المسيحية واليهودية أيضاً، كان هذا المحل يبيع جميع المقتنيات السماوية تحت سقف واحد، وهو أمر غريب نوعا ما بالطبع.

كوركوڤادو 

بعد راحة استمرت ليوم واحد في العاصمة سان خوسيه، سرت مباشرة بواسطة الطائرة الصغيرة إلى أقصى جنوب الدولة حيث الجزر والأنشطة المائية، كوركوڤادو، الوجهة الأخيرة في هذه الرحلة.

أقمت في فندق يدعى Anguila De Osa وهو فندق يقع ذو اطلالة خاصة على المحيط الهادي، كانت اقامتي لمدة أربعة أيام هي آخر ماتبقى لدي في كوستاريكا، قضيت ما تبقى من اليوم الأول في الراحة والإسترخاء.

كانت الخطة في صباح اليوم التالي هي الذهاب إلى جزيرة تدعى Cano Island في رحلة عبر القارب استغرقت حوالي خمس وأربعون دقيقة وذلك من أجل الغوص، كان الغوص في كوستاريكا مخيف بعض الشيء، فعلى الرغم من تعودي على مشاهدة الكثير من الحيونات تحت الماء، إلا أن كثرة أسماك القرش التي كانت تدور بجواري كفيلة بإصابتي بالرعب، خصوصاً عندما تتحرك هذه الأسماك بطريقة مريبة حولك، علي الرغم من أن أسماك القرش لا تؤذيك مالم تحاول أنت إرباكها أو أذيتها، إلا أن مفهوم وجود عدة أسماك شرسة بجوارك موقف بحد ذاته مرعب! خلال العودة بنهاية اليوم كانت هناك فرصة رائعة جداً لرؤية الحيتان.

في المساء أثناء تناول طعام العشاء جلست على الطاولة بصحبة عدة أسر من جنسيات مختلفة، كانت هناك رجل وزوجته من سنغافورا، كان هناك أيضاً زوجين من هولندا، وآخرون من كندا وأمريكا الشمالية، كان من تواجد شاب سعودي وحيداً وأعزب بينهم فرصة بالنسبة إليهم لتوجيه العديد من الأسئلة والخوض في نقاشات كنت قد اعتدت على الإجابة عليها بمهارة، أذكر حينها أنني قضيت حوالي الساعة ونصف متحدثاً ومبينا صورة الإسلام التي تهدف لنشر السلام عكس ما يشاع في الإعلام عموماً، سئلت عدة أسألة اعتيادية عن الحجاب والحكمة من تحريم لحم الخنزير وغيره من الأمور التي أعتدت الإجابة عليها بمهارة واقناع عاليان.

كان جدولي في اليوم التالي يشير إلى السير في رحلة بداخل أحد المحميات الوطنية المعروفة بإسم حديقة كوركوڤادو الوطنية، سرت في الحديقة لمدة ٤ ساعات متواصلة انتهت بالوقوف عند أعلى شلال في كوركوڤادو.