سانت بيترسبرغ

سانت بيترسبرغ Санкт-Петербу́рг، ثاني أكبر مدينة روسية بعد موسكو، يزيد عدد سكانها عن خمسة ملايين نسمة ويزيد عمر المدينة عن ٣٠٠ عام، وهي أحد أهم الجهات الشائعة بعد موسكو، إن سألت أي سائح عن ما زاره في روسيا فسيقول لك حتماً: موسكو وسانت بيترسبرغ، هل هذه المدينة تستحق هذه الشهرة الواسعة؟

سانت بيترسبرغ

الوجهة المثالية بعد موسكو

دعونا نلقي نظرة سريعة على تاريخ المدينة العريق، تقع مدينة سانت بيترسبرغ (التي كانت تسمى سابقاً لينينغراد) على نهر يدعى إيفا، وهو نهر رئيسي كبير يتفرع إلى عدة أنهار صغيرة تتخلل المدينة، تماماً كمجرى العروق في الجسم! كان اسم هذه المدينة حتى عام ١٩١٤م هو بتروغراد Петрогра́д إلا أنه بعد عشر سنوات فقط، وتحديداً في عام ١٩٤٢م تم تغيير إسم المدينة مرة أخرى إلى لينينغراد، إلى عادت إلى إسمها الأساسي (سانت بيترسبرغ) سنة ١٩٩١م، يذكر أن سانت بيترسبرغ كانت هي عاصمة روسيا قبل أن تنتقل الحكومة إلى موسكو سنة ١٩١٨م، ولذلك نراها أحد أهم المدن في روسيا.

إن كنت قد فقدت زيارة مكان ما في موسكو فستجده حتماً في سانت بيترسبرغ، فهنا العديد من المراكز الثقافية والإجتماعية والعديد من المعالم الأثرية والمتاحف التاريخية، كزائر إلى روسيا، من الأفضل قضاء وقتاً أطول في سانت بيترسبرغ بدلاً عن موسكو، وخلال تجولك في المدينة ستلاحظ أن هناك إرتباطاً ليس بقليل بين مبانيها ومباني الدول الأوروبية، وذلك بسبب أن أحد حكام سانت بيترسبرغ كان قد عاش فترة ليست بقليلة في إيطاليا وقد أعجب بمبانيها كثيراً، وعندما وصل إلى سانت بيترسبرغ جلب المهندسين من إيطاليا لبناء المدينة.

النقل في سانت بيترسبرغ

كحال الأمر في موسكو وفي جميع المدن الروسية الرئيسية، لا يشكل النقل عائقاً هنا، فجميع وسائل النقل متاحة من محطات للمترو، الباصات، الترام، سيارات الأجرة، وحتى الشركات الخاصة (أوبر وغيرها) يذكر أن روسيا تمتلك شركات خاصة شبيهة لأوبر، تدعى ياندكس وماكسم (سيتم شرح موضوع سيارات الأجرة في روسيا لاحقاً تحت موضوع “قبل ذهابك إلى روسيا”)، بالإضافة بأنه يمكنك الوصول مباشرة إلى سانت بيترسبرغ من الخليج العربي عبر طيران الإمارات، فلاي دبي، والخطوط التركية.

تكلفة الإقامة في سانت بيترسبرغ

على الرغم من أن سعر العملة الروسية في متناول الجميع مقارنة مع الريال السعودي، إلا أن عامل السكن مهم جداً للحفاظ على ميزانية الرحلة، قد يكون السكن في سانت بيترسبرغ غالٍ بعض الشيء إن كنت من محبي الفنادق وحياة الرفاهية، بالنسبة لي فإن إقامتي كانت هنا في بيوت الشباب، وهو مايوفر كثيراً في خفض التكلفة، خصوصاً على المسافر الرحال، أما إن كنت مسافر بصحبة أفراد العائلة فيرجى وضع ميزانية كافية للسكن وتناول الطعام في المطاعم!

أين تذهب في سانت بيترسبرغ

كانت إقامتي في سانت بيترسبرغ لمدة ثلاثة أيام، زرت فيها ما يهمني فقط من معالم، هنا أبرز المعالم المناسب زيارتها إن كانت مدة إقامتك في سانت بيترسبرغ لا تتجاوز ثلاثة أيام:

متحف هيرمتاج

أفضل ما يمكن زيارته في سانت بيترسبيرغ

Hermiage - متحف الهيرمتاج

يعتبر متحف هيمرتاج أحد أكبر وأقدم المتاحف للفنون في العالم، تم تأسيسه سنة ١٧٥٤م، يقول سكان سانت بيترسبرغ أنه يجب عليك زيارة هذ المتحف لمدة خمسة أيام متتالية حتى تستطيع زيارته بالكامل، إن لم يكن لديك الوقت الكافي للإقامة في سانت بيترسبرغ فهذا المتحف يغني عن كل شيء بالمدينة، يرجى ملاحظة بأنه يمكنك شراء التذكرة مسبقاً من خلال الموقع الإلكتروني http://www.hermitagemuseum.org تفادياً للزحام والوقوف في صفوف الطوابير الطويلة، كانت زيارتي لهذا المتحف من الحادي عشر صباحاً وحتى الرابعة عصراً، ولم أرى جميع أقسامه بالطبع، لذا يجب عليك القراءة المسبقة قبل زيارتك لمتحف هيرمتاج

Night white - حدث الليلة البيضاء

وهو حدث يختلف في تواريخه من سنة لأخرى، كان هذا الحديث في عام ٢٠١٧م بالفترة مابين ٢٦ مايو ٢٠١٧ وحتى ٢٣ يوليو ٢٠١٧م، يعرف حدث الليلة البيضاء بأنه حدث ترتفع فيه جميع جسور المدينة، لمدة تقارب الثلاث ساعات، للسماح لجميع السفن بعبور النهر يلازم رفع هذه الجسور موسيقى الأوبرا الكلاسيكية وهو حدث تاريخي عظيم بالنسبة لسكان سانت بيترسبرغ، يذكر أن في تلك الفترة (مايو - يونيو - يوليو) لا ترى الليل أبداً في سانت بيترسبرغ، فأقصى ما يمكنك رؤيته هو السماء بلونها الأزرق الجميل، حيث تغيب الشمس في حوالي العاشرة والثلث مساءاً، وتظل بهذا المنظر الجميل إلى أن تشرق مرة أخرى بعد بضعة ساعات، حوالي الثالثة فجراً.

Russia Museum - متحف روسيا

وهو أحد المتاحف المهمة في سانت بيترسبرغ إن كان لديك متسع من الوقت في المدينة

 

Palace Square - ساحة القصر

وهي الساحة المقابلة المتحف الهيرمتاج، قريبة من النهر الرئيسي وبعض الحدائق، تعتبر نقطة مركزية في المدينة ينتشر فيها العروض والمهرجانات غالباً

قلعة سانت بيترسبيرغ

قلعة سانت بيترسبيرغ

من هنا بدأت سانت بيترسبرغ المدينة، عندما كانت عبارة عن منطقة صغيرة محاطة بسور ويتوسطها برج متوسط الطول، وهي تقع في الضفة الأخرى من نهر إيفا

Spilled Blood - كنيسة الدم المسكوب

وهي مشابهة للكنسية الرئيسية الموجودة في الميدان الأحمر في موسكو، رؤية المبنى من الخارج وتصويره كافي جداً، أرى أن شراء تذكرة الدخول إلى داخل الكنسية مضيعة للمال والوقت.

ماذا عن الدراسة في سانت بيترسبرغ؟

هناك العديد من الطلاب العرب يدرسون في سانت بيترسبرغ، خصوصاً في مجال الطب، التكلفة الدراسية في سانت بيترسبرغ مناسبة جداً مقارنة ببقية الدول الأجنبية الأخرى، معظم الجامعات تدرس مناهجها باللغة الروسية، لذا، ومن الأفضل دراسة اللغة الروسية لمدة سنة كاملة قبل الإلتحاق بالجامعة ودراسة التخصص المناسب، هناك جامعة تدعى بافلو، وهي جامعة عسكرية مميزة لدراسة الطب، وهناك جامعة أخرى تدعى إتمو ITMO والعديد من الجامعات الأخرى بالطبع، أما بالنسبة للسكن في سكن الجامعة فهو برسوم رمزية جداً لا تتجاوز ٣٢٠٠ روبل قد لا أكون الشخص المناسب للحديث عن الدراسة في سانت بيترسبرغ ولكن ذكرت بعض الأمثلة البسيطة للمهتمين فقط

مشاهدات من سانت بيترسبرغ

ركبت قطار المبيت متوجهاً من موسكو إلي مدينة سانت بيترسبرغ، كانت فترة طويلة جداً منذ أن ركبت قطارات المبيت، آخر مرة عندما كنت في جمهورية الصين الشعبية في عام ٢٠١٤م، إلا أن جميع رحلاتي بعد ذلك كانت في دول لا تستخدم القطارات كشبكة نقل بين مدنها، لذا، أردت هذه المرة تجربة قطار المبيت بجميع فئاتها، كانت رحلتي إلى سانت بيترسبرغ تستغرق حوالي تسع ساعات، دخلت إلى المقصورة التي كانت خالية تماماً بجميع غرفها، كنت أنا الوحيد في هذه المقصورة، ذهبت إلى غرفة رقم ٣ حيث يقع السرير رقم ٥ كانت تكلفة هذه الرحلة على الدرجة الأولي ٧٠٠٠ روبل (أي مايقارب ٤٨٠ ريال سعودي).

تحرك القطار بموعده دون أي تأخير، بعد تحركه لدقائق أتت إلي الموظفة وبيدها بعض المأكولات الخفيفة، أخبرتني أنه يحق لي طلب صنفين من قائمة الطعام، كانت القائمة باللغة الروسية فقط، لذا فقد أحضرت لي قائمة أخرى باللغة الإنجليزية.

طلبت بعض من السلطة والبطاطا المهروسة، كانت البطاطا تأتي مع قطع من لحم الخنزير، إلا أني نبهت الفتاة بتجنب وضعه. كانت الغرفة في المقصورة الدرجة الأولى تحتوي على سريرن فقط، بعكس مقصورة الدرجة الثانية، فهي تحتوي على ٤ أسرة، كنت لوحدي في الغرفة، خرجت لآخذ جولة بين عربات القطار وذهبت إلى المطعم حيث يجلس رجل كبير في السن وأمامه كأس من المشروبات الروحية، أشر لي كي أجلس بجانبه، أخبرته بأنني هنا للإطلاع فقط، رد علي حينها باللغة الإنجليزية وقال: “فودكا، فودكا” أظنه كان يدعوني للشراب معه! شكرته بلطف وعدت إلى غرفتي.

في الواحدة والنصف أي بعد حوالي ٤٥ دقيقة من تحرك القطار، حضرت الموظفة بوجبة الطعام التي قد طلبتها مسبقاً، كنت متردد حينها ما إذا سأصوم هذا اليوم أم لا، لم أكن أعلم أنه قد دخل وقت صلاة الفجر خلال تناولي الطعام، فوقت الإمساك طويلٌ هنا، صليت الفجر في المقصورة، ونمت وأنا أتأمل الصباح كيف يشرق بهدوء في سماء لم تكن بكامل درجات سوادها ليلاً.

وصلت إلى سانت بيترسبرغ في التاسعة صباحاً من يوم الأحد ٢٣ رمضان ١٤٣٨هـ، الموافق ١٨ يونيو ٢٠١٧م، فور وصولي خرجت من القطار وذهبت إلى الصالة الرئيسية، ذهبت مباشراً إلى شباك بيع التذاكر، حيث أن الرحلة القادمة والتي كانت من سانت بيترسبرغ إلى مدينة تدعى نوڤجورود، لم تكن متاحة للشراء عبر الإنترنت، كانت هناك إمرأة ليست بشابة، كانت هي من تبيع التذاكر، عندما وصلت قلت لها فقط “نوڤجورود” لترد بكلمات غير مفهومة وكان يبدو عليها الضجر! أشاحت بيدها كي ابتعد بعيداً، لقد لاحظت المرأة أنني لا أتحدث الروسية، ربما لطريقة نطقي لإسم المدينة، لا أزال في يومي الثالث هنا في روسيا، كل شيء جديد وليس بسهل بالبداية.

خرجت من محطة القطار دون أن أشتري تذكرة الرحلة القادمة، ذهبت إلى محطة المترو التي كانت مجاورة لمحطة القطار، توقفت عند جهاز ماكينة الصراف الآلي، كنت أظنها بالبداية أنها أجهزة بيع تذاكر المترو، رأني شاب أظنه روسي، رأني وأنا أحمل حقيبة على ظهري وأخرى على بطني ويبدو علي علامات الحيرة، سألني إن كنت أحتاج للمساعدة، أخبرته أنني أريد شراء تذكرة للمترو فقط، بعد أن ينتهي من استخدام الجهاز، قال لي بإمكانك الشراء من خلال شباك التذاكر، فهذه مكائن صراف آلي!! كان هذه كله يحدث والموظفة الخاصة بتذاكر المترو تناظرني بابتسامة جميلة، كانت ابتسامة جميلة من إمرأة جميلة!

 تذكرة المترو كما تبدو شبيهة بالعملات المعدنية

تذكرة المترو كما تبدو شبيهة بالعملات المعدنية

ذهبت إلى شباك التذاكر، كان مكتوب على الزجاج مبلغ التذكرة للرحلة الواحدة وهو ٤٥ روبل (حوالي ٣ ريالات) ناولتها عملات معدنية من فئة ٥٠ روبل، لتعيد لي الباقي ومن ضمنها تذكرة المترو، كانت تذكرة المترو عبارة عن عملة معدنية وكأنها نقود، قمت دون أن أنتبه بوضع جميع العملات المعدنية (بما فيها تذكرة المترو) في يدي تمهيداً لوضعها في جيبي، نبهتني الموظفة باللغة الروسية بأن أفرق بين النقود وتذكرة المترو، لا أدري كيف فهمت ما تقول ولكنني فهمت، شكرتها على مضض وذهبت إلى القطار حيث سيذهب إلى أقرب نقطة قريبة من مسكني.

عندما وصلت إلى محطة المترو التي تدعى Dostoyevskaya Достоевская وجدت نفس الشاب الذي عرض على المساعدة بالبداية، سلمت عليه وخرجت من المحطة، عند خروجي رأيت أحد البنوك، والتي كان سعر الصرف لديها مناسب جداً مقارنة مع ما رأيته في مطار موسكو، دخلت إلى البنك واخبرت الموظفة أنني أريد تحويل بعض النقود من دولار أمريكي إلى روبل روسي، أشارت إلي بالدخول إلى أحد الغرف، كنت متعجب قليلاً، لماذا يجب علي الدخول إلى غرفة مغلقة، لأكتشف حينها أن خدمات الصرافين توجد في غرف مغلقة كنوع من الخصوصية، كان هذا الأمر في جميع البنوك التي زرتها في روسيا.

خرجت من البنك وسرت مباشرة نحو بيوت الشباب الذي سيكون مقر إقامتي ليومين، رأيت العديد من محلات الزهور وعربات بيع الأطمعة (التي تبيع الأطعمة بسعر معقول جداً) لاحظت كذلك انتشار اللغة الصينية في معظم الأماكن. عند اقترابي من مقر سكني تهت قليلاً حتى أجد المدخل، جميع المباني هنا مجوفة من الداخل، إن ذهبت إلى سانت بيترسبرغ ولم تجد مدخل الفندق أو مقر سكنك فابحث بالداخل، فجميع المباني هنا مجوفة من الداخل حتى تعطي الدفئ اللازم في فصل الشتاء.

وصلت إلى بيوت الشباب الذي يدعى “كالتورا هوستيل” وكالتورا تعني اللطف، وهي قاعدة آداب روسية ينبغي القيام بها دائماً، فمن آداب الكالتورا علي سبيل المثال هو خلع حذائك في المستشفيات، الفنادق، فصول الجامعات، وغيرها من الأماكن المهمة، من آداب الكالتورا أيضاً خلع معطفك في المطعم، ارتداء حذاء مناسب في الأماكن العامة، وقد رمز بيوت الشباب لنفسه اسم “كالتورا”.

عندما حجزت في بيوت الشباب لم أجد سريراً في غرفتة مشتركة لمدة يومين، فاضطررت لحجز سرير في غرفة مشتركة لمدة يوم واحد، وغرفة خاصة في اليوم الآخر. كان وصولي قبيل الثاني عشر ظهراً، لم يحن موعد تسجيل الدخول بعد، وضعت حقيبتي وخرجت لأخذ جولة في المدينة، المدينة التي طالما سمعت الجميع يوصيني بها، سانت بيترسبرغ.

أثناء تجولي بشكل عشوائي توقفت عند أحد الأنهار الفرعية الممتدة من النهر الرئيسي للمدينة، رأيت حينها مطعماً إيطالياً عليه توصية جميلة من موقع “تريب أدڤايزور” دخلته بلا تردد، تناولت طعام الباستا وعصير البرتقال، لا يزال المطبخ الإيطالي ينقذني في كل مكان في العالم عندما أكون جائعاً.

بعد الغداء أكملت السير فرأيت أحد متاحف الفنون، دخلته فوراً، عند دخولي للمتحف رأيت أحد أساليب الكالتورا، كان ينبغي علي خلع معطفي وتسليم حقيبتي، كانت هناك إمرأة عجوز، ما إن رأت حقيبتي حتى بينت لي بأنها ثقيلة لا تستطيع حملها وطلبت مني أن أضعها بنفسي، فعلت ذلك بلطف، يذكر أن العديد من سكان روسيا يعانون من نقص في فيتامين دال وبعض الأمراض الأخرى المتعلقة بنقص التعرض لأشعة الشمس، لاسيما الكبار في السن، تجولت قليلاً في المتحف قبل أن أخرج لإكمال السير.

سرت بشكل عشوائي فرأيت العديد من الحدائق الجميلة، كانت السماء قد بدأت تهطل بالمطر حينها، سرت دون مظلة مستمتعاً برذاذ الماء وهو يتساقط على جسدي وحقيبتي وكاميراتي وهاتفي، مستمتعاً غير آبه بما أحمله من أدوات قد تتأثر بالمطر، إلى أن وصلت إلى الساحة الرئيسية للمدينة، ارتحت قليلاً ومن ثم ركبت الباص عائداً إلى بيوت الشباب، عندما عدت إلى بيوت الشباب كان المطر قد هطل بشدة، لم أكن أستطيع لأفعل شيئاً أو الذهاب إلى أي مكان حينها، حملت حقيبتي الصغيرة وذهبت إلي أحد المقاهي القريبة لتدوين المذكرات، عندما دخلت إلى المقهى طلبت شراب “اللاتيه” وقطعة من البسكويت، لا أعلم لماذا قدموا لي شراب اللاتيه في كأس كبيراً جداً مخصص للعصائر عادة، ليس هذا فحسب، بس وضعوا ما يسمى بالـ”المزاز” البلاستيكي وسط الكأس! كيف نشرب شراباً ساخناً بمزاز بلاستيكي؟! لا أعلم، رأيت هذا في عدة مقاهي في الصين سابقاً، والآن هنا في روسيا.

قضيت في المقهى أكثر من ثلاث ساعات دون أن يخف المطر أو يتوقف، اضطررت للخروج بعدها، لا أزال لا أحمل مظلة، كان معطفي الذي ارتديه وبنطالي وحذائي كلها مقاومة للماء، الا ان المطر الشديد لم تجعل ملابسي تصمد لأكثر من عشر دقائق، توقفت عند أحد البقالات لعلي أجد مظلة واقية من المطر ولم أجد، اشتريت بعضاً من الحاجيات الخفيفة (زبادي وموز وكعك وماء) عندما ذهبت للحساب، سخر مني البائع قليلاً عندما رأى أنني لا أتحدث الروسية، سألني عن موطني، عندما سمع اسم “المملكة العربية السعودية” قالي لي “السلام عليكم”، توقفت بعدها تحت ظل أحد المحلات إلى خف المطر، بعدها دخلت إلى أحد المطاعم للعشاء، شربت هنا شوربة روسية كتلك التي شربتها في موسكو، كانت الأجواء الباردة الممطرة تحتاج إلى شيء دافي نشربه، تناولت بعدها سمك السلمون الذي تم طبخه بوضعه في قصدير مع بعض الخضروات ومن ثم اغلاقه.

كانت الساعة قد اقتربت من الواحدة صباحاً عندما طلبت أحد شركات سيارات الأجرة “أوبر” وذهبت إلى النهر الذي لم يكن ببعيداً لأرى حدث الليلة البيضاء الذي كنت قد نسيته لولا أن يذكرني به أحد الأصدقاء، على الرغم من غروب الشمس في العاشرة مساءاً إلا أن السماء في هذه الأيام تظل زرقاء اللون دون سواد، وصلت إلى النهر الذي كان مليء بالجموع، كان بعضهم يركب القارب لمشاهدة الحدث من على القارب انتظرت حتى الواحدة والنصف، عندها تم تشغيل موسيقى الأوبرا الكلاسيكية، أغلقت الطرق وتم رفع الجسور، قمت بتصوير هذا المشهد تصوير جوي سأرفعه لاحقاً علي اليوتيوب عند عودتي للمملكة بحول الله.

صحوت في اليوم التالي حوالي العاشرة صباحاً متوجهاً إلى كنيسة الدم المسكوب، أحد المعالم السياحية في سانت بيترسبرغ، أثناء سيري انتبهت لوجود مقهى صغير جداً أخذ مساحة صغيرة من أعمدة أحد المباني، كانت تفوح منه رائحة القهوة الرائعة، لم أتمالك نفسي فتوقفت عنده لتناول طعام الإفطار، كان يعمل في هذا المقهى شاب لوحده، عندما دخلت إلى داخل المقهى (والذي لا يتسع لأكثر من شخصين اثنين) سمعت أحد أغاني المغني (بوب مارلي) الجامايكي، تذكرت فوراً أيامي الجميلة في جامايكا. تناولت ما تيسر من هذا المقهى ثم أكملت السير إلى حيث الوجهة الأولى، بالقرب من الكنسية رأيت أحد فعاليات كرة المقدم، كما علمت حينها من بعض المتابعين على الشبكات الإجتماعية بأن سانت بيترسبرغ هي أحد المدن التي سيقام بها إحدى مباريات كأس القارات.

كانت قيمة الدخول إلى هذه الكنسية المصممة تصميماً رائعة من الخارج ومن الداخل ٢٥٠ روبل، عند شراء التذاكر رأيت بعض التحذيرات بالانتباه من الحاجيات الخاصة والحذر من السرقة، بعد دقائق بسيطة من التجول بالداخل تجولت بالسوق الخارجي ورأيت رجل وإمرأة يرتديان لباساً تقليدي ويتلقطون الصور مقابل مبلغاً زهيداً جداً من المال، ٢٠ روبل فقط، صورتهما واخذت صور معمها، لا أعلم لماذا أصرا جميعاً على الإمساك بيدي حينهاً.

ذهبت بعدها إلى أحد المطاعم القريبة لتناول طعام الغداء، أرسل لي حينها عماد، أحد أصدقاء الثانوية، أخبرني بأن أخاه مقيم هنا في سانت بيترسبرغ بغرض الدراسة، وإنها فرصة رائعة أن ألتقي به، تواصلت مع أخيه من خلال أحد برامج الشبكات الإجتماعية وقررت بأن ألتقي به عند السادسة مساءاً في الحديقة الرئيسية، بعد الغداء عدت إلى بيوت الشباب للصلاة والراحة قليلاً قبل أن أخرج مرة أخرى لألتقي بصديقي عابد.

حضر عابد والتقيت به في حوالي السادسة والنصف عند متحف الهرميرتاج، قضيت معه وقتاً ممتعاً، تجولنا حول بعض الحدائق وعبرنا جسر النهر الرئيسي، ذهبنا إلى قلعة سانت بيترسبرغ التي منها بدأت المدينة، كان عابد صائماً حينها، وقد كان موعد أذان المغرب في سانت بيترسبرغ في تمام العاشرة والربع، أي بإضافة ساعة عن موسكو.

تحدثت مع عابد حول أمور كثيرة تخص الحياة والدراسة هنا، يعيش عابد هنا من حوالي السنتين ونصف تقريباً، وقد أصبح ملماً بجوانب كثيرة من الحياة في روسيا وسانت بيترسبرغ، اخبرني عابد بأن اللغة الروسية احتياج أساسي هنا في سانت بيترسبرغ، اتقانك للغة الإنجليزية لا يعني دائماً انك ستجد من يتحدثها هنا، أغلب الشباب لم يتعلموا اللغة الإنجليزية في المدارس الإبتدائية، فلم تكن اجبارية سابقاً، فقد كان الطالب يستطيع دراسة اللغة الألمانية أو الإسبانية، بالإضافة إلى أنه يمكن للطالب اختصار سنة واحدة من دراسته في المرحلة الإبتدائية، إن كان ذكياً يما يكفي ليفعل ذلك.

الجدة هنا هي كل شيء، ففي سانت بيترسبرغ ترى الجميع يسألك عن جدتك أولاً، ثم والدتك، ومن ثم الأب، وبالحديث عن الصحة، فالمستشفيات ليست متميزة جداً هنا، خصوصاً الحكومية منها، معظم الخضروات والفاكهة يتم استيرادها من خارج روسيا، يتم استيراد الموز من الإكوادور، والبرتقال من مصر وبعض الفواكه الأخرى من لبنان، روسيا ليست بلداً زراعياً، وان كانت كذلك فهم يزعون البطاطا والبصل على الأغلب، أما الباقي فيتم استيراده من الخارج، هذه بعض من العادات الروسية التي لم أكن أعرفها لولا لقائي بالصديق عابد الذي عاش هنا لفترة ورأى الكثير من أطباعهم، تجولنا كثيراً حتى وصلنا عند أحد المطاعم لتناول وجبة العشاء.

بعد العشاء عدنا إلى النهر الرئيسي، كانت السماء حينها صافية، فلم تمطر اليوم، أردنا استغلال صفاء السماء في تصوير الجسر مرة أخرى، ذهبنا للتصوير حتى ارتفعت الجسور، عندما ارتفعت الجسور لم يستطيع عابد العودة إلى منزله، فمنزله يقع في الضفة الثانية من النهر، عدنا إلى بيوت الشباب سوية للنوم حتى الصباح.

 

صحونا من نومنا في الحادي عشر صباحاً، لم أكن صائماً حينها فيما كان عابد صائماً بالطبع، كنت قد حجزت مسبقاً عبر الإنترنت لحضور متحف الهيرمرتاج وتجنب الزحام، ودعت عابد علي أن ألتقي به مساءاً بعد زيارتي للمتحف، ذهبت إلى نفس المقهى الذي ذهبت إليه بالأمس وتناولت طعام الإفطار ومن ثم ذهبت إلى المتحف، قضيت مايقارب ٤ ساعات ولم يكن الوقت كافياً لرؤية كل ما في المتحف.

بعدها عدت إلى بيوت الشباب، في طريق العودة هطلت أمطار شديدة جداً أجبرتني علي التوقف لعدة مرات، اخذت حقيبتي من بيوت الشباب وتوجهت إلى فندق للكبسولة أردت تجربته، يدعى inBox وهي كبسولات صغيرة راقية جداً للنوم بها، لم تكن هذه المرة الأولى التي أسكن بها في فنادق كبسولة، فقد سكنت بها سابقاً في الصين، سأقوم بعمل تقرير مصوراً كاملاً على قناتي في اليوتيوب فيما يخص فنادق الكبسولة.

ارتحت قليلاً بعد الوصول إلى فندق الكبسولة، بعدها خرجت للقاء بالصديق عابد، في الطريق توقفت عند محل للإتصالات التابع لشركة MTC وهي أحد أفضل شركات الإتصال في سانت بيترسبرغ، اشتريت شريحة اتصال قيمتها ٤٠٠ روبل تحتوي على ١٠ جيجا بايت من الإنترنت، ٣٥٠ دقيقة اتصال ٣٥٠ رسالة نصية مجانية، التقيت بعدها بعابد عند محطة القطار لشراء تذكرة القطار ليوم الغد إلى مدينة نوڤجورود، عندما وصلنا إلى شباك التذاكر حصل لي نفس ما حصل لي في اليوم الأول، تقدم عابد وتحدث إلى الموظفة نيابة عني واشترينا التذكرة، بعدها دخلنا أحد مراكز التسوق للعشاء، وقتها شربت عصير روسي محلي يسمى “موس” وهو عصارة من نتبة روسية مخلوطة بالتوت الروسي، لم يكن العصير بادراً، وهذا أمراً طبيعي جداص بالنسبة لأجواء روسيا الباردة.

بعد العشاء ذهبنا إلى محطة المترو، حيث كنا على لقاء بأصدقاء عابد في الجامعة، حضرت كل من السيدة ضي، وهي من العراق وتدرس الماجستير هنا في سانت بيترسبرغ، بالإضافة إلى السيدة سوراني، وهي من سيرلانكا وتدرس الطب في نفس الجامعة أيضاً، تعرفت عليهما جميعاً ومن ثم ذهبنا إلى أحد المقاهي المجاورة.

عند دخولي للمقهى كان هناك رجلان على وشك الخروج من المقهى، لم يبدو عليهما علامة الإتزان، كان تأثير الشراب المسكر واضح عليهما، خرج أحدمها من الباب بينما انتظرت حتى يخرج الآخر لأستطيع الدخول، فقد كان واقفاً عند الباب، عندما رأني ابتسم وقال لي (welcome to Russia, welcom to hell) أهلاً بك في روسيا، أهلاً بك في الجحيم!! وذهب بعيداً دون أن يقول شيئاً آخر، كان هذا هو أول رجل يبتسم لي من أن وصلت إلى روسيا.

بعض مضي بضعة ساعات في المقهى تناول عابد وضي بعض الوجبات الخفيفة، حيث عليهما الصيام في يوم الغد، فيما شربت أنا الشاي الأخضر بالياسمين، خرجنا في الثالثة فجرا عائدين إلى فندق الكبسولة، كانت درجة الحرارة حينها ٨ درجات مئوية، توقفنا لالتقاط عدداً من الصور قبل أن اذهب إلى الفندق وأودعمها جميعاً، خلدت إلى النوم في الرابعة فجراً، كان يجب علي الإستيقاظ في تمام السادسة حتى أستطيع اللحاق بالقطار المتجه إلى مدينة نوڤجورود.