بوينس آيرس ورقصة التانغو

بوينس آيرس، العاصمة الأرجنتينية الرائعة والتي طالما حلمت بزيارتها، جولة لاتينية مستمرة بين دولها المتنوعة، بدأت بالبرازيل، وها هي قد أوشكت على الإنتهاء بزيارة الدولة الثامنة والأخيرة، الأرجنتين، سيناقش هذا التقرير المختصر زيارتي لبوينس آيرس لمشاهدة رقصة التانغو والتي تشتهر بها البلاد.

وصلت إلى مطار العاصمة التشيلية سانتياغو في تمام السابعة وخمس وأربعون دقيقة استعداد لمغادرة دولة تشيلي والتي لم تتجاوز فترة اقامتي بها أكثر من ثلاثة أيام، مازال هناك ساعتان وربع حتى موعد إقلاع الطائرة، كان سفري من عاصمة تشيلي إلى عاصمة الأرجنتين عبر الخطوط الأرجنتينية، جميع رحلاتي في الأرجنتين كانت عبر هذه الخطوط، وهي خطوط طيران رائعة بمستوى خطوط الطيران اللاتينية الأخرى، الأمر الجميل في خطوط الطيران الأرجنتينية هو اشتراكها في تحالف سكاي تيم، التحالف التي تشترك معه الخطوط الجوية العربية السعودية، مما يساهم ذلك بإمكانية جمع العديد من الأميال والإستفادة منها عبر أميال الفرسان التابعة للخطوط الجوية العربية السعودية، أما كل من خطوطي تام TAM و لان LAN اللاتينية فهما أعضاء في تحالف ون وورلد One World والتي يمكن الإستفادة منها بالتزامن من الخطوط الجوية القطرية.

أقلعت الطائرة في تمام الحادي عشر صباحاً بعد تأخير قارب الخمسون دقيقة في رحلة لم تتجاوز الساعتين، وصلت إلى مطار بوينس آيرس الدولي – عاصمة الأرجنتين – في تمام الثاني عشر وأربعون دقيقة ظهراً، هنا الأرجنيتين، الدولة الثامنة والأخيرة في رحلتي اللاتينية، أهلا بموسم الثلج! استملت حقيبة الترحال وتوجهت بعدها إلى بنك بوسط المطار لتحويل العملات، لم تكن هنالك شبكة نقل عام مناسبة للذهاب إلى وسط المدينة، لذا استعنت بسيارة الأجرة للذهاب إلى وسط المدينة، تحديداً، بيوت الشباب.

كان سكني في بوينس آيريس في بيوت للشباب يدعى أميريكان ديل سور America Del Sur Hostel بسعر بلغ سبعون ريالاً سعودي لليلة الواحدة (٢٨٠ بيسو أرجنتيني) وهو أحد أفضل بيوت الشباب التي سكنت بها على الإطلاق.

وصلت إلى مقر بيوت الشباب حوالي الثاني والنصف ظهراً كان تعامل طاقم الموظفين خلوق جميل مرح للغاية، كانت الموظفة أرجنتينية ذو ملامح عربية من أصول أندلسية، يعود السبب في ذلك إلى الإستعمار الإسباني الذي أدى إلى تداخل العديد من الأعراق العربية في الأرجنتين خصوصاً.

ذهبت إلى غرفتي المشتركة للصلاة والراحة ومن ثم الخروج لتناول طعام الغداء، أول ما فعلته قبل الخروج هو سؤال الموظفين عن كيفية الحجز لحضور عرضاً لرقصة التانقو الشهيرة في الأرجنتين، وهو سبب توقفي في بوينس آيرس، أفادوني جميعهم بأن هناك عرضاً لليلة يتظمن عشاءاً فاخراً وخدمة إيصال من وإلى بيوت الشباب يكلف ذلك ٨٠٠ بيسو أرجنتيني (٢٠٠ ريالاً سعودي)، على أن أكون هنا في تمام الثامنة مساءاً.

خرجت للتجول بشكل عشوائي متأملاً حال المباني والتي يبدو عليها التمسك بالأثر الأوروبي بعكس الدول اللاتينية الأخرى، ذهبت إلى مطعم يدعى ريستو Resto وهو مطعم يقع في ساحة صغيرة تدعى بلازا دوريغو Plaza Dorrego كان المطعم قديم مجهز بآثاث من الخشب فقط، يوجد مسرح صغير بوسط المطعم يبين لي أنه مخصص لرقصات التانغو مساءاً، العديد من الصور التذكارية والتي تعود للستينات الميلادية تملئ المكان، بعضها خادش للحياء قليلاً، لم يكن غيري جالس بالمطعم آنذاك، فلا يبدو أن هذا هو وقت الغداء للأرجنتينيين، قدموا لي سمك السلمون المشوي مع البطاطا المشوية وعصير البرتقال، عندما رأيت الطبق أمامي تذكرت إحداهن عندما قالت لي: “إنهم يحبون البطاطا كثيراً في الأرجنتين، ستجدها أمامك في كل مكان وستأكلها حتماً، ولن تجد غير عصير البرتقال!” كانت صادقة في ذلك.

خرجت بعد الغداء للقيام بجولة قصيرة في أنحاء المدينة، كان الوقت حينها قد اقترب من الخامسة مساءاً، أوشكت جميع المتاحف والأماكن الرسمية على الإغلاق، لم أستطع الدخول إلى قاعة الأوبرا وزيارة المتاحف المجاورة، على الرغم من أنني لم أكن مهتما كثيراً بزيارتها كونني قد رأيتهم مسبقاً في دول أخرى، إلا أنني كنت أتمنى قضاء يوماً إضافية وزيارة هذه المتاحف. أكملت الجولة سيراً، استخرجت شريحة اتصال أرجنتينية من المحلات العامة المنتشرة، توقفت عند المسلة الفرعونية الشهيرة للتصوير وأخذ قسطاً من الراحة ومن ثم مشاهدة المراسم الوطنية لإنزال العلم الوطني في تمام السادسة مساءاً عند الساحة الشهيرة (٢٥ مايو).

عدت إلى بيوت الشباب للصلاة والإستعداد لما هو قادم، رقصة التانغو، الرقصة الشعبية الرسمية في الأرجنتين والتي كانت تعرف سابقاً برقصة الكريول، بدأت هذه الرقصة بالإنتشار عام ١٨٨٠م في كل من الأوروغواي والأرجنتين، وسرعان ما أنتشرت إلى بقية دول العالم، إلى أن أضيفت هذه الرقصة رسمياً ضمن قائمة اليونيسكو العالمية بعام ٢٠٠٩م.

كنت كثيراً ما أهتم بجميع أنواع الفنون عموماً، إلا أنني لست من ممارسيها، بالطبع، لن أفوت حضور أمسية رائعة كهذه، نزلت إلى قسم الإستقبال في تمام السابعة وخمس وأربعون دقيقة مساءاً استعداداً للذهاب، لأجد هناك فتاة أخرى سترافقني لحضور نفس الأمسية، حضرت السيارة الكبيرة التي ستقلنا إلى الأمسية قبل الثامنة بقليل، خلال حديثي مع الفتاة عرفت حينها أنها طالبة أسترالية ذي ثلاثين ربيعاً تحضر الدكتوراه بالفترة الحالية، ضلت السيارة تتوقف عند فندق وآخر إلى أن انضم إلينا شاب هولندي يحضر الدكتوراه ببلده أيضاً، وهم جميعاً في إجازة دراسية، أصبحنا نحن الثلاثة أصدقاء هذه الأمسية، العديد من الأحاديث المتفرقة حتى وصلنا إلى الوجهة النهائية، مقهى دي لوس أنجليتوس Café de los Angelitos.

كانت الأمسية رائعة، فاخرة، مميزة جداً، إبتدأت بأصناف مختارة من العشاء الفاخر، تلاها عرض التانغو والذي استمر قرابة الساعتان والنصف، كان الأمر بالنسبة لي أشبه بإستراحة مسافر أرحت بها ذهني وسمعي وبصري بالإستماع ومشاهدة الفن الرائع والذي سرعان ما انتهى العرض في الثانية عشر والنصف بعد منتصف الليل، ودعنا بذلك صديقنا الطبيب الهولندي، لنعود نحن بدورنا إلى منزلنا المتواضع، بيوت الشباب.

إنتهت الأمسية اللطيفة، انتهى أيضاً تعارفي بهؤلاء الأصدقاء، أحد الأمور المفرحة المحزنة في سفر الوحدة، هو الحصول على الكثير من الأصدقاء، ولكن، لفترة مؤقتة فقط، قد لا يحالفك الحظ دائماً بالبقاء على تواصل معهم خصوصاً عند اللقاءات القصيرة، ولكن الجميل في الأمر، هو الحديث مع هؤلاء الأصدقاء بكل أريحية ودون قيود أو مجاملات، متأكداً من أعماق قلبك أن كل ما تقوله لهم يذهب أدراج الرياح عند نهاية اللقاء.