أوفا

أوفا Уфа عاصمة مقاطعة بشكيريا (بشكيريستان) تقع في الجنوب الغربي من روسيا وعلى مقربة من كازاخستان، وهي مدينة تقدر مساحتها ٧٠٧،٠٠٠كم يمر من خلالها كل من نهري أوفا وبيلايا، يقدر عدد السكان في أوفا حوالي مليون نسمة، إذ كانت مدينة كبيرة هائلة في الفترة مابين القرن الخامس إلى القرن السادس عشر، دعاها إبن خلدون بـ “باشكورت” كما وصفها المؤرخ الروسي Peter Rychkov بأنها كانت هناك مدينة متباعدة المساحات هائلة جداً قبل وصول الروس!

نهر بيلايا

نهر بيلايا

يصل طوله إلى ١٤٣٠كم

 يظهر في الصورة الفرق بين كل من اللغة الروسية والبشكيرية

يظهر في الصورة الفرق بين كل من اللغة الروسية والبشكيرية

استولوا الروس على المدينة سنة ١٥٧٤م، دمروا وأزالوا منها الكثير، بنى بعد ذلك المقاتلون - بأمر من إيفيان - المدينة من جديد وسُميت “أوفا”، إذ كانت في البداية مجرد قلعة ذا حصن منيع، إلا أن توسعت شيئاً فشيئاً حتى أصبحت كما هي عليه الآن. عندما استولى الروس على هذه المنطقة كان بها مسلمون كثيرون، وكانوا هم الأغلبية من حيث التعداد السكاني، إلا أن قام الروس بإرسال الكثير من العوائل الروسية للعيش في هذه المنطقة حتى لا تصبح مدينة إسلامية بحتة، وهذه هي العادة في أكثر المدن الروسية.

حتى يومنا هنا، تجد في أوفا العديد من المساجد، زرت بعضاً منها، كما أن هناك الجامع الكبير الذي لم ينتهي البناء منه حتى الآن، وبالحديث عن اللغة، ترى الناس هنا يتحدثون اللغة الروسية جنباً إلى جنب مع اللغة البشكيرية، تجد اللوحات العامة، قائمة الطعام، وبعض الإرشادات مكتوبة بكلا اللغتين. 

يعيش في يومنا هذا العديد من الجنسيات في أوفا، تبلغ نسبة الروس ما يقارب ٤٨٪ فيما تبلغ نسبة التتار ٢٩٪ والبشكير ١٨٪ والمتبقي من الجنسيات الأخرى حوالي ٥٪

النقل في أوفا

تعتبر أوفا المدينة الوحيدة في روسيا التي ترتبط بموسكو بأكثر من طريق سريع، كما يمكنك الوصول من أوفا إلى مدينة كازان مباشرة، فضلاً على أنها تحتوي على مطار دولي، بالإضافة لشبكة خطوط السكك الحديدية، وهي نقطة وصول هامة من أقصى شرق روسيا إلى غربها، تحتوي شبكة النقل بداخل المدينة على ترام متكامل منذ عام ١٩٧٣م، كما تم مناقشة فكرة إنشاء شبكة مترو في المدينة سنة ١٩٨٠م و١٩٩٣م

التعليم في أوفا

هناك العديد من الجامعات لكل من مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا، تستقبل بعض هذه الجامعات الطلاب من جميع أنحاء العالم، كنت قد التقيت ببعض الطلاب من فلسطين والسعودية، هناك العديد من المؤسسات التعليمية مثل:
جامعة بشكير
جامعة ولاية أوفا لتكنلوجيا البترول
جامعة بشكير الزراعية
جامعة أوفا لتقنية الطيران الطيران
جامعة بشكير الطبية
وغيرها من الجامعات 

تكلفة الإقامة في أوفا

أوفا ليست من الوجهات السياحية المعروفة، لذا وبسبب أنها فقيرة سياحياً تجد الحياة بها بسيطة وجميلة، وهي أحد أقل المدن تكلفة في روسيا

أين تذهب في أوفا

خلال إقامتك في أوفا تستطيع زيارة العديد من المعالم مثل:
متحف أوفا الوطني
نصب سالافات يولايف التذكاري
نافورة الفتيات السبعة
جامع لياليا الكبير
نصب الصداقة (دروزبي)
نقطة الصفر
زيارتك لهذه الأماكن فرصة مناسبة للاتقاء بالسكان المحليين، وهم ذو ابتسامة دائمة وترحيب مستمر ولطيفين جداً في تعاملهم، وهي أمور قد لا تجدها في العاصمة موسكو أو سانت بيتيرسبيرغ

كم يوم يكفي لزيارة أوفا؟

حسب تقديري فإن يومان دون يوم الوصول كافيان لرؤية كل شيء مهم في هذه المدينة

مشاهدات من أوفا

وصلت إلى موسكو في يوم الإثنين، ثاني أيام عيد الفطر المبارك لعام ١٤٣٨هـ، الموافق ٢٦ أغسطس ٢٠١٧م قادماً من مدينة سمولينسك عبر قطار ليلي استمر لحوالي ست ساعات ونصف، نزلت من القطار في تمام السادسة والنصف صباحاً، فيما كانت رحلتي التالية من مطار موسكو شيرميت SVO في تمام التاسعة صباحاً، أي بعد ساعتين ونصف من الآن، كنت أخشى أن لا يكون هناك وقتاً كافياً أو قد يكون الوقت على المحك، خرجت من محطة القطار (بيلوروسكايا) متوجهاً إلى محطة القطار الأخرى وهي مجاورة لها تماماً، للذهاب إلى المطار عبر القطار السريع.

كان القطار يتحرك كل نصف ساعة، مشيت حوالي عشر دقائق حتى وصلت إلى المحطة الأخرى، اشتريت تذكرة القطار من خلال الجهاز الآلي بقيمة ٥٠٠ روبل (٣٠ ريال سعودي)، دقائق قليلة حتى وصل القطار قبيل السابعة بقليل، تحرك القطار في وقته المحدد فيما وصلت إلى مطار موسكو شيرميت في تمام السابعة والنصف صباحاً.

كان مطار شيرميت الدولي أحد المطارات الثلاثة التي زرتها في موسكو أنثاء تنقلي بين مدنها، يظهر على المطار الحداثة والترتيب وكثرة المحلات وسرعة إنهاء الإجراءات، كان قد تبقى ساعة ونصف على موعد اقلاع الطائرة المتوجهة إلى أوفا، كنت قد أنتهيت إجراءات بطاقة صعود الطائرة من خلال تطبيقات خطوط الطيران الرسمي على جهاز هاتفي المحمول، عندما وصلت إلى المطار كان يتوجب علي الذهاب إلى الصالة D والمخصصة لطيران إيروفولت الروسية، مشيت كثيرا، وتأخرت كثيراً عند نقاط التفتيش، إلا أنني وصلت إلى منصات تسليم الحقائب قبل الرحلة بساعة، أنهيت بذلك إجراءات تسيليم الحقائب وذهبت فوراً إلى بوابة رقم ١٨  واشتريت طعام الإفطار من مقهى مجاور للبوابة، تناولت افطاري على استعجال استعداداً للمغادرة.

فور جلوسي على مقعد الطائرة أتتني رسالة إلكترونية هامة وعاجلة من موقع خدمات الحجز بوكنج الخاص بحجوزات السكن، أفاد المرسل بأن مالك السكن والذي سأقيم عنده لمدة يومين حاول الوصول إلي لمعرفة وقت وصولي، أخبرني حينها بأن شقتي غير جاهزة وعرض على المالك شقة أخرى، مع كامل حقي بالرفض دون خصم أية مبالغ، كما زودني العاملون في بوكنج برقم المالك للمسكن للتواصل معه فور وصولي إلى أوفا، ألقيت نظرة على الشقة البديلة ووجدتها مناسبة، خصوصاً بأنها في نفس الموقع وبنفس السعر، اخبرتهم بالموافقة واخبرتهم أيضاً بأنني في الطائرة في طريقي إلى أوفا.

أقلعت الطائرة في موعدها المحدد دون أي تأخير، كان زمن الرحلة ساعة وخمس وخمسون دقيقة، قاموا بتوزيع وجبة غذائية تحتوي على: كلوب ساندويتش (محشية بلحم أظنه خنزير)، زبادي، عصير وماء، وقطعة حلوى صغيرة، كنت قد تناولت طعام افطاري حينها لذا فقد اكتفيت بطلب الماء.

وصلت إلى أوفا في الثاني عشر وخمس وخمسون دقيقة، كان فارق التوقيت يزيد ساعتين عن موسكو، مطار أوفا صغير وبسيطٌ جداً كحال المدينة، خرجت فوراً من المطار، متجاهلاً كل من يعرض علي خدمات التوصيل إلى وسط المدينة، باستخدام تطبيق “ياندكس” أحد تطبيقات سيارات الأجرة الشهيرة في روسيا والشبيهة بتطبيق أوبر، توجهت إلى مقر سكني، كانت المسافة من المطار إلى وسط المدينة حوالي عشرون دقيقة، رأيت خلالها جامع أوفا الكبير الذي لم يتم الإنتهاء من بنائه بعد.

عندما وصلت إلى مقر سكني اتصلت بالمالك، ردت علي إمرأة لا تتحدث الإنجليزية، نطقت اسمي فوراً للتأكد من أنني الشخص الذي كانت تنتظره، حاولت التواصل معها إلا أنني وجدت صعوبة في ذلك بسبب عدم اتقاني للغة الروسية، ساعدني سائق السيارة بالحديث معها إلى أن حضرت واصطحبتني إلى الشقة التي سأقيم بها.

اخترت هذه المرة السكن في شقة في عمارة سكنية، تسكن مالكة المنزل في نفس البناية الا أنها تعرض بعض من شققها للإيجار اليومي والشهري، كانت الشقة متكاملة المتطلبات من أدوات للطبخ، غسالة، بلكونة صالة وغرفة نوم، وجميع الاحتياجات التي قد يحتاجها الإنسان لعيش فترة طويلة، كانت الشقة نظيفة ومرتبة وسعرها لليلتين ٥٠٠٠ روبل (٣٢٥ ريال سعودي) وهو مناسب جداً.

 نقطة الصفر

نقطة الصفر

ارتحت قليلاً وخرجت في جولة سيراً على قدمي حول المدينة، كان جو المدينة هادئاً دافئاً مشمساً، كانت تلك المرة الأولى التي استمتع بها بجو دافئ منذ أن دخلت إلى روسيا، تجولت بشكل عشوائي دون هدف يذكر، وصلت مصادفة إلى نقطة الصفر، وهي نقطة مركزية يقال بأنها مركز بداية وانطلاق المدينة، كانت نقطة الصفر تلك مجاورة لمكتب البريد، وهي عادة نجدها في أغلب المدن التي تعتمد مبدأ نقطة الصفر، فعادة يكون المركز البريدي هو المكان الفعلي الذي تنطلق منه جميع الرسائل من المدينة، لذا فهو أنسب وأفضل مكان مركزي بالمدينة

اكملت سيري إلى أن وصلت إلى نافورة تسمى بنافورة الفتيات السبعة، ارتحت قليلاً هناك ومن ثم اكملت سيري حتى رأيت مصادفة أحد المساجد الصغيرة، لم يحن وقت صلاة العصر حينها، دخلت إلى المسجد، كان المسجد صغيراً ذو طابقين، يحتوي الطابق الأعلى على مكتبة صغيرة وغرفة لتدريس القرآن الكريم، فيما يقع مصلى المسجد في الطابق السفلي، رأيت في أحد الغرف العلوية رجلين، أحدهما يدعى محمد، والآخر يدعى رسول الله، وكلاهما من طاجاكستان ويدرسان هنا في أوفا، تعجبا كثيراً عندما علما عن موطني، كان محمد يتحدث العربية الفصحى بطلاقة، أخبرني حينها بأن انتشار الاسلام هنا في أوفا هو أحد أسباب اقامتهم هنا، سألتهم عن عدد المساجد في المدينة، إلا أنه لم يكن يعلم كم عددها بالتحديد، لكنه يعرف شخصياً أكثر من سبعة مساجد في المدينة.

تناولت طعام الغداء في مطعم مجاور يدعى "مياسو مياسو" على الرغم من غرابة اسمه، إلا أنه كا يقدم لحماً مشوياً ذو مبلغ باهظ جداً كنت قد صدمت بنهاية تناولي الطعام، إلا أنه كان طعاماً رائعاً وكسراً لروتين تناول الطعام المحلي. أكملت سيري بعدها وكنت ألاحظ بكثرة انتشار اللغتين البشكيرية والروسية في المدينة، سرت إلى أن وصلت إلى مبنى الحكومة، الذي كان يقع على ارتفاع عال ويطل على منظر من الأشجار الجميلة يتوسطها نهر بيلايا.

بعد الراحة ومشاهدة غروب شمس المدينة، ذهبت إلى مسجد مجاور يدعى "مسجد كاتيدرائيل أوفا" وهو جامع كبير جداً يتوسطه حديقة جميلة وهادئة، كان موقع الوضوء يقع في زاوية بعيدة قليلاً عن المسجد، دخلت المسجد وسرت في الطابق الأول، كنت أسمع أصوات نساء يتلين القران الكريم ويدرسونه، دخلت ورأيت مايقارب سبعة نساء يجلسن بشكل حلقة دائرية، كُنّ يقرأن القران بشكل جماعي وبصوت جميل، أحسست بالإحراج قليلاً فخرجت، علمت فيما بعد بأن الطابق الأول مخصص للنساء، فيما قد تم تخصيص الطابق الثاني لمصلى الرجال ولا أعلم السبب في ذلك.

لم يكن قد حان موعد صلاة المغرب حينها، سرت بالحديقة الخارجية المجاورة للمسجد فرأيت أحد المطاعم الإسلامية، دخلت إلى المطعم لتناول طعام العشاء، كان المطعم متوسط المساحة يقدم الطعام البشكيري، عندما دخلت إلى المطعم كان خالياً من الزبائن، رأيت إمرأة طويلة محجبة ذو جلباب طويل تعمل هناك، دخل معي رجل بصحبة عائلته تبدو عليهم ملامح الإيمان والوقار، لم يكن الرجل يتحدث الإنجليزية، إبتسمت وطلبت قائمة الطعام، لم أفاجئ بعدم وجود قائمة طعام باللغة الإنجليزية أبداً.

لم أكن أعلم ماذا أطلب، ولم يكن لدي الوقت الكافي لترجمة كل ما هو مكتوب في قائمة الطعام، ما كنت متأكداً منه أن كل ما يباع هناك هو طعاماً حلالً طيباً، لذا سآكل كل ما قد يقدم لي. بادر الرجل (واسمه محمد شريف) بالسلام وسؤالي ماذا أريد أن آكل، أخبرته بأني لا أحسن تحدث لغتهم، حاول مراراً توضيح بعض أصناف الطعام لي ولم أفهم منه شيئاً، كتبت له -بواسطة برنامج الترجمة- بأن يختار لي طعاماً يراه مناسباً، أتت الفتاة وقد كانت تحسن القليل من الإنجليزية، اقترحت علي الفتاة نوعاً من الحساء، فيما أخذت تترجم لي بعض أصناف الطعام، عندما ترجمت لي الصنف الأول قالت: بطاطا، مشروم، جبن، لحم، قاطعتها وقلت: موافق!

سألتني عما أريد أن أشرب، نظرت إلى الثلاجة أمامي فوجت بعضاً من المشروبات الغريبة، طلبت الماء، إلا أنها اقترحت علي شراب يسمى كمبود، كان أسمه غريباً بالنسبة لي بالبداية، لم أكن أعلم بأني سأدمن شراب هذا الكمبود حتى آخر يوم لي في روسيا.
حضر الحساء بعد دقائق معدودة من الإنتظار، عندما رأيته لأول مرة تعجبت قليلاً، فقد رأيت الكثير من قطع طعام محلي نسميه في السعودية (منتو) وهي أكلة قد حضرت أساساً إلى بلدنا من عدة دول شرق آسيوية، كان هذا الحساء (اسمه تشوتشوارا) يحتوي على قطع من حبات المنتو، لبنة، شبت، وقطع حمراء صغيرة لا أعلم ما هي، أخذت الملعقة وبدأت بشرب الحساء تحت أعين الرجل الزائر والإمرأة البائعة التي كانت تناظرني من بعيد، جميعهم كانوا يترقبون ردة فعلي، إلا أنني ابتسمت ابتسامة عريضة عندما نلت استحسان الطعام.

شربت الحساء وتناولت جميع قطع المنتو بشراهة عالية، ما ان فرغت من طبقي حتى حضر الطبق الآخر، كنت أسأل الإمرأة عن اسم أي طبق يصلني، قالت لي بأن اسمه (ماسيبا فرونسيستا) وياله من اسم، كان الطعام شديد الحرارة، فقد طبخ للتو، وكان لذيذاً جداً أيضاً.

بعد الإنتهاء من تناول طعام العشاء عدت إلى المسجد قبيل أذان المغرب، توضأت ودخلت إلى داخل المسجد، عند دخولي إلى المسجد رأيت شاباً عربياً، سلمت عليه، عرفت فيما بعد أنه من مصر، وهو يقيم هنا منذ حوالي سبعة أشهر. بعد الإنتهاء من صلاة المغرب أخذ الإمام يردد بعض العبارات، والتي أرى من شأنها تذكير المصلين بالأدعية والإستغفار، قام الإمام بالترديد بصوت عالي قائلاً: "سبحان الله" ثم سكت مهلة، ثم عاد وقال "الحمدلله" وسكت لثواني قليلة، قال بعدها وبصوت عالي أيضاً "الله أكبر" بعد حوالي دقيقة قرأة جزءاً من آية الكرسي قائلاً: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم"، بعد حوالي دقيقة قام بقراءة بعض من أذكار المساء، وقفوا جميعاً وأخذوا جميعاً يسلمون ويصافحون بعضهم البعض.

كانت الساعة قد تجاوزت الحادي عشر ليلاً، عندما هممت عائداً إلى المنزل سيراً على قدمي في مدة استغرقت حوالي عشرون دقيقة، توقفت عند متجر صغير لشراء بعض الحاجيات، فقد قررت إعداد وجبة إفطاري بنفسي بما أنني أسكن في شقة بها جميع أدوات الطهي اللازمة، اشتريت الطماطم والبيض والزبادي والفاكهة والعصير والخبز، بالحديث عن الخبز، علمت حينها بأن الخبز الذي لا يجف يسمى باللغة الروسية "خليب" فيما يسمى الخبز العادي "باتون"، عدت إلى المنزل بعدها لغسيل ملابسي قبل أن أخلد إلى النوم في الواحدة ليلاً.

استيقظت من نومي في اليوم التالي الساعة التاسعة والنصف صباحاً، قمت بإعداد وجبة الإفطار وجلست على شرفة الشقة مستمتعاً بجوٍ دافئ كنت قد حرمت منه في روسيا، كان فطوري عبارة عن: بيض مخفوق بالطماطم، فرولة، زبادي بالشوفان والتوت، شاي، خبز، عصير برتقال، وفواكه مجففة، تناولت طعام إفطاري وأنا سعيد بأني طهوته بنفسي، عندما انتهيت من الطعام وغسيل الأطباق، خرجت لزيارة أحد المتاحف إلا أن السماء قد بدأت تهطل مطرا، سرحت إلى متحف أوفا الوطني، والذي كان يصف العديد من الأحداث التاريخية الإسلامية الماضية والحاضرة، ولكن ولسوء الحظ لم تكن المعلومات المدونة في المتحف باللغة الإنجليزية، إذن كانت فقط باللغة الروسية والبشكيرية، جلست هناك عدة ساعات إلى السادسة مساءاً قبل أن أخرج مرة أخرى للزيارة أحد المساجد.

كانت الطرقات تشجع كثيراً على المشي، فهي مزينة بالأشجار وبالأرصفة العريضة خصوصاً بعد توقف هطول المطر، توقفت عند أحد المقاهي لشراء القهوة، كان يعمل في المقهى شاب وفتاة، كان الشاب يتحدث الإنجليزية بطلاقة أثارت استغرابي، فلم أعتد على رؤية شبابهم يتحدثون الإنجليزية بهذا المستوى من الإتقان، سألني بالتأكيد عن موطني، وسألني عن درجة الحرارة في العاصمة الرياض في هذه الأيام، قال لي مستغرباً بأنه يتمنى تجربة العيش في مدينة تصل درجة حرارتها صيفاً إلى خمسون درجة مئوية، أخبرته بنفس الأمنية، أنا أيضاً أريد تجربة العيش في مدينة تبلغ درجة حرارتها خمسون درجة مئوية، ولكن، تحت الصفر!

 مقابر المسلمين كما رأيتها في أوفا

مقابر المسلمين كما رأيتها في أوفا

كنت قد استغربت قليلاً عندما رأيت بأن المسجد الذي أرغب بزيارته يقع في طرف المدينة وعلى منطقة خضراء، إلى أن وصلت واكتشفت بأن المنطقة الخضراء هي عبارة عن مقبرة كبيرة يقع المسجد بداخلها، كانت جميع القبور مبنية بطريقة مخالفة لشريعتنا الإسلامية، استغربت ذلك كثيراً، دخلت إلى المسجد وانتظرت أذن صلاة العصر، بعد الصلاة رأيت أموراً عجيبة أكثر من مما رأيت البارحة، فقد تكون طريقة التذكير بقراءة الأدعية والآيات كما رأيت البارحة طريقة مناسبة لحث المصلين على قراء الورد اليومي، لكن هنا في هذا المسجد اختلفت الأمور قليلاً.

بعد الفراغ من صلاة مسك أحدهم جهاز المايكروفون وقام بترديد نفس الكلمات التي سمعتها الباحة قائلاً: "سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله أكبر" إلا أنه قام بعدها بقرائة سورة العصر! قام بعدها الإمام بالدعاء بصوت عالي وبطريقة غريبة -على الأقل بالنسبة لي- ثم قام الجميع بالسلام على بعضهم البعض.

سألني أحدهم باللغة العربية عن موطني، أخبر الجميع بعدها بأنني من السعودية، وياليتني لم أخبرهم، فقد اجتمعوا جميعاً والتفوا حولي بشكل دائري ورفعوا أيديهم وطلبوا مني الدعاء بشكل جماعي! لم أشأ فعل ذلك، إلا أنهم أصرو على أن أقوم بالدعاء لهم، قال أحدهم أنني أتيت من بلداً مباركة وأنه يرجوني أن أقوم بالدعاء، دعوت ماتيسر لي أن أدعو في مدة لا تتجاوز الدقيقة الواحدة.

خرجت من المسجد متجهاً إلي نصب سالافات يولايف التذكاري، وهو نصب قد تم بنائه سنة ١٩٦٧م يمثل الرجل الذي كانت له أدوار بطولية في ثورة بوغاشيف. أثناء توجهي إلى هناك هطلت أمطار شديدة أجبرتني على التوقف لفترة طويلة، دخلت بعدها إلي أحد المطاعم المحلية لتناول وجبة خفيفة إلى أن توقف المطر، سرت بعدها إلى النصل التذكاري للتصوير وللجلوس فترة طويلة قبل أن أعود إلى منزلي للراحة.

DJI_0136 copy.JPG

عدت إلى نفس الجامع الذي زرته بالأمس هذه المرة، ألتقيت بالشاب المصري بعد الصلاة وتحدثت معه كثيراً، أخبرني بأنه قد بدأ خبرته العملية في المملكة العربية السعودية ولمدة خمس سنوات في مجال السراميك، ومنها قد انتقل إلى هنا في مجال السراميك أيضاً، تحدثنا كثيراً عن الحياة في روسيا، أخبرني بأن أغلب الفاكهة هنا مستوردة من الخارج، فالموز والكرز والفرولة وغيرها من الفاكهة جميعها مستوردة، كحال الأمر ذاته بالنسبة للخضراوات، قالي لي مازحاً بأن سعر الباذنجان هنا أعلى من سعر اللحم! تحدثنا أيضاً عن فوائد السفر وسردت له بعضاً من مواقف سفري وترحالي بين مختلف دول العالم.

كانت قد تجاوزت الساعة حينها الثاني عشر ليلاً عندما كنت عائداً إلى المنزل قبل أن تتوقف سيارة بيضاء قديمة من نوع مرسيدس، توقفت السيارة بجاني إذ بي أرى محمد شريف، الرجل الذي التقيت به أول مرة في المطعم مساء البارحة، أصر علي بأن أركب ليوصلني، كانت عائلته معه في السيارة، أخبرته بأن المكان آمن هنا وأن المنزل قريب جداً، قالي لي بأن هذا الوقت ليس آمناً على الإطلاق!! عندما وصلت إلى منزلي قال لي بأن أتجنب المشي في هذا الوقت قدر المستطاع، ذهبت بعدها إلى محل مجاور لشراء بعض الحاجيات، حينها، حضر إلي شاب كانت تفوح منه رائحة الشراب المسكر، تحدث إلى بإنجليزية رديئية، أخذ يردد قائلاً: أهلاً بك في روسيا، فودكا، فودكا، أريد أن أدعوك لشراب الفودكا، لا تقلق، سأدفع لك"! تركته وذهبت وهو يضحك بصوت عالي بجانب أصدقائه.