مدونات الصين

عائلة صينية

تعرفت في زياراتي المتكررة في الصين منذ عام ٢٠١٤ على كثير من الأصدقاء الصينيون، من معظم المقاطعات التي زرتها، هذه الزيارات وهذا التعارف، أوضح لي الصورة الحقيقية عن بساطة وطيبة الشعب الصيني، بعكس ما كنت اسمعه في السابق قبل سفري إلى الصين، إذ يعرف عنهم -كما يشاع- أنهم متقوقعين على أنفسهم وغير اجتماعيين، ولكن، وجدت العكس تماما منذ رحلتي الصينية أولى

أصدقاء من الصين

لطيفون، مرحون ومسالمون

على الرغم من كثرة المعارف والأصدقاء، إلا أني سأخصص حديثي في هذا المقال عن معرفة تحولت من محض صدفة إلى صداقة عائلية متكاملة، أرويها لكم مع تغيير في أسماء الشخصيات كي يسهل على القارئ قراءة الأسماء

اللقاء الأول في بيت الشاي

في صيف عام ٢٠١٤م وبينما كنت في إحدى الأسواق الصينية التقليدية في مدينة تشنغدو، عاصمة مقاطعة سيتشوان وسط الصين، توقفت عند إحدى، بيوت الشاي المصحوبة بعروض الأوبرا الصينية، رأيت الكثير من شخصيات ملونة من النساء، الالوان تزين وجوههن، والملابس الثقيلة تغطي اجسادهن، هنا يتم بيع الشاي الفاخر، وتقدم عروض الاوبرا التي يراها البعض عروض مملة، بالنسبة لي، كل شيء اراه هنا جديدا وحديثا، قررت الدخول إلى الداخل.

طاولات صغيرة ومنتشرة في كل مكان، يجلس أمام كل طاولة فتاة ترتدي لباسا صينيا تقليدي، توقفت، أنظر يمنة ويسرة، حضرت احداهن، أظن أنها رحبت بي، سألتني سؤالا لم أفهمه، ادركت هي ذلك، طلبت مني الانتظار، ذهبت، ثم عادت وقالت بلغة انجليزية بسيطة، هناك فتاة تتحدث اللغة الانجليزية، دقائق وستكون هناك لخدمتك.

اسمها صوفيا، فتاة في مثل عمري، هادئة، تحمل ابتسامة لطيفة، رحبت بي: كيف يمكنني خدمتك؟ اخبرتها بأنني ارغب بشرب بعض الشاي الصيني، شراء ما تيسر منه، ومن ثم حضور العرض الصيني التقليدي، عرض الاوبرا، اخذتني إلى احدى الطاولات، جلست أمامها على كرسي خشبي صغير، بدأت صوفيا بشرح أنواع الشاي:

لدينا خمسة أنواع من الشاي، شاي الياسمين، يقطف يدويا من مزارع مقاطعة سيتشوان، صحي ومفيد لبشرتك، وهنا نوع آخر، شاي أخضر ممزوج بالياسمين أيضًا، وهو مناسب لمن لا يفضل طعام الشاي الاخضر ويرغب بإضافة بعض المنكهات الطبيعية، أما هذا الشاي، فهو من نوع فاخر وتتميز به مقاطعة سيتشوان، باهض الثمن قليلا، لكنه يستحق، لدينا أيضًا شاي أسود، وشاي أخضر شديد التركيز، سأجعلك تتذوق كل شاي على حدة.

كنت اراقب طقوس صنع الشاي بطريقته تقليدية، على الطاولة ادوات متكاملة لتحضير الشاي، جهاز تسخين الماء بدرجة حرارة لا تصل إلى الغليان، فناجين صغيرة، تشبه فناجين القهوة في بلادنا، وعاء تحت الطاولة مخصص لتصريف الماء، ثلاثة أباريق لتصفية وغسيل الشاي، كل هذه طقوس لتحضير الشاي الصيني.

بينما أراقب صوفيا وهي تصنع الشاي، سألتني مباغتة: ماذا تفعل في الصين؟ أتيت هنا لغرض السياحة، كم عمرك؟ هل أحببت الصين؟ أين زرت في الصين حتى الان؟ وأين ستذهب بعد مدينة تشينغدو؟ أما أنا فكان سؤالي الوحيد: أين تعلمتي اللغة الانجليزية، أجابت: في الجامعة.

كانت صوفيا تسكب لي من كل نوع، وأنا اتذوق باستمتاع يصاحبه خجل، خجل ليس في محله على الاطلاق.

اشتريت بعض من أنواع الشاي، قبل أن أدخل إلى الداخل لمشاهدة عرض الاوبرا، ناولتني صوفيا كرت صغير، عليه اسمها، ورقم هاتفها، قالت صوفيا: لنكن اصدقاء، ان احتجت اي مساعدة أثناء تنقلك بين مدن وقرى الصين، فلا تتردد بالتواصل معي.

بعد أربعة أعوام، وبنما كنت في شمال غرب الصين، عرفت صوفيا من خلال برنامج الوي شات الصيني، أنني في الصين، طلبت مني زيارة مقاطعة سيتشوان وزيارتهم القرية حيث يجتمع جميع أفراد العائلة في إجازتهم الدراسية، ركبت الطائرة بعد تحديد الموعد المناسب، ووصلت إلى تشنغدو، حيث حضرت صوفيا وزوجها من القرية واصطحباني لمدة ساعة ونصف إلى قريتهم، عندما التقيت بابن عمها وزوجته، الذي دعاني لحضور حفل زفافه فيما بعد

بضعة أيام قضيتها في القرية، تجولت في مركز المدينة، عرفتني صوفيا على معالم بلدتهم، على متاحفها، وعلى سكان القرية، تناولت طعاما محليا، وتنفست هواء نقيا، بضعة أيام في هدوء القرية، الهدوء الذي نفتقده كثيرًا في العاصمة.

عندما عدت إلى العاصمة تشنغدو، دعاني إبن عم صوفيا لتناول طعام العشاء في منزله، حينها تبادلنا الكثير من الأحاديث الثقافية، جدد حينها دعوته لحضور حفل زفافه والذي سيكون بعد ثلاثة أشهر من الآن، وبالطبع، لبيت دعوته.

بعد بضعة سنوات، وتحديدا في عام ٢٠٢٥م، زرت العائلة مرة أخرى، كبر الطفل الصغير بسرعة، ودخلت الإبنة سن المراهقة، تجولنا لمدة أسبوع كاملًا سفرا بالسيارة بين أرجاء المقاطعة، تقوت علاقتنا وصدقاتنا كثيرًا، صداقة استمرّت منذ عام ٢٠١٤ إلى اليوم.