منغوليا الداخلية

زرت في صيف عام ٢٠١٧م دولة منغوليا، وهي دولة صغيرة الحجم نسيباً (بعد أن كانت إمبراطورية عظمى تمتد من الصين إلى الشام) لا يزيد عدد سكانها عن ٣ ملايين نسمة، عشت بها حياة برية رائعة. أردت بعد عامين زيارة منطقة منغوليا الداخلية -ذاتية الحكم- والتي تقع الآن تحت حكم جمهورية الصين الشعبية من قيام الدولة الشيوعية في الصين، كان الهدف الأساسي من هذه الرحلة هو إلتماس الفرق بين كلا المنغوليتين.

312A0546.JPG

شتان بين منغوليا ومنغوليا

أفضل وقت لزيارة منغوليا الداخلية

يخيم على طباع منطقة منغوليا الداخلية الأجواء الباردة والجفاف، يميل الجو إلى البرودة منذ بداية شهر سبتمبر وحتى نهاية شهر مارس من كل عام، زيارة منغوليا الداخلية في شهر أبريل ومايو هو الأفضل بالنسبة لي، يمكنك زيارة المنطقة في شهر يونيو إن أردت حضور مهرجان نادام المغولي، وهو سباق تاريخي يحصل كل عام منذ عام ١٩٢١م.

الوصول إلى منغوليا الداخلي

بواسطة الطائرة

كنت قد وصلت إلى عاصمة المقاطعة "مدينة خوخاخوت" قادماً من مدينة شينينغ عبر خطوط طيران (هاينان) وصولاً إلى مطار بايتا الدولي، في رحلة استغرقت حوالي ساعتين ونصف، إن كنت قادماً من العاصمة بكين فلن يستغرق زمن الرحلة أكثر من ٤٥ دقيقة. بعد وصولك إلى مطار العاصمة، يمكنك ركوب باص النقل العام والذي سيأخذك إلى وسط المدينة عند محطة القطارات الرئيسية بتكلفة تقدر ٥ يوان صيني فقط، أما سيارة الأجرة فقد يكلف حوالي ٣٠ يوان صيني.

بواسطة القطار

يمكنك السفر بين كل من العاصمة بكين والعاصمة خوخاخوت في رحلة قطار تمتد حوالي ٧ ساعات (للقطار السريع) و ١١ ساعة (للقطار البطيء) بتكلفة تقدر حوالي ١٥٠ يوان.

بواسطة الباص

يمكنك ركوب الباص منطلقاً من مدينة بكين، وتحديداً من محطة الباصات (Liuliqiao) متوجهاً في رحلة تمتد ثمانية ساعات إلى خوخاخوت بتكلفة لا تزيد عن ١٥٠ يوان.

مظهر صيني بطابع مغولي

الخطوط المنغوليا كما تبدو بجانب الخطوط الصينية، وهي عادة جميلة تجدها في جميع المقاطعات الصينية ذات العرقيات المختلفة

وهو أول ما لاحظته عند وصولي إلى مدينة خوخاخوت، كل شيء في المدينة يدل على انها مدينة صينية بحته، لا وجود لأثر مغولي سوى الخطوط المغولية القديمة والتي تم الإستغناء عنها في منغوليا الخارجية (البلد الأم) واستبدالها بالأحرف الروسية، كنت أرى الكلمات المغولية تستخدم جنباً إلى جنب مع الكلمات الصينية في جميع أرجاء المقاطعة، كانت هذه أبرز علامة من الممكن ملاحظتها في منغوليا الداخلية.

بالحديث عن السكان في منغوليا الداخلية، فهم خليط بين المغول السكان الأصيليين لهذه الأرض، والذين يتبعون الان لجمهورية الصين الشعبية، وهم يشكلون الآن حوالي ١٧٪ فقط من اجمالي سكان المقاطعة، فيما يشكل حوالي ٧٩٪ من قومية الهان النسبة الأعلى في المنطقة، أما البقية فهم خليط من قوميات أخرى.

خوخاخوت

وهي عاصمة مقاطعة منغوليا الداخلية، وأكبر مدينة تحتوي على أكبر نسبة من السكان، وهم خليط من قومية الهان والمغول، الكثير من أعمال الصيانة والترميم الواضحة على أثر المدينة، تبدو بمجملها من الخارج وكأنها مدينة صينية بحتة، دقق في تفاصيلها جيداً وسترى أثر مغولي بسيط جداً يخرج من بين مبانيها.

IMG_2273.JPG

استخدام الدراجات

وهي عادة منتشرة بكثرة في مدينة خوخاخوت، وفي معظم عواصم المقاطعات الصينية

أين تذهب في خوخاخوت؟

معبد داجاو - 大召寺 - དཔག་མེད་གླིང་།།

ويعني معبد النداء الكبير، وهو أقدم معبد في مدينة خوخاخوت، زاره الدالاي لاما الثالث -زعيم التبت- المعبد سنة ١٥٨٦م وكرس تمثالاً فضياً مميز ونادراً لهم، يعتبر المعبد بالنسبة للبوذيون من قومية التبت مصدر بركة مهم لهم، خصوصاً بعد زيارة الدالاي لاما.

معبد ووتا - 五塔寺 

أو بمعنى أوضح "معبد الأبراج الخمسة"، يسمى أيضاً: المعبد الثمين، يقع في الجزء الأقدم من المدينة، بناه أحد رهبان المغول سنة ١٧٢٧م.

متحف منغوليا الداخلية

وهو متحف متواضع جداً مررته مرور الكرام، لم يكن المتحف ذا تأثيراً كبيرًا بالنسبة لي بسبب زيارتي لمنغوليا الخارجية مسبقاً

المدينة القديمة

وهو أول ما يجب عليك زيارته، حيث يوجد بها نسبة عالية جداً من المسلمون، بالإضافة إلى كثرة المساجد المنتشرة في كل زاوية، فضلاً عن انتشار الطعام الحلال الطيب والأطعمة التقليدية اللذيذة.

الإسلام في منغوليا الداخلية

يمثل المسلمون نسبة عالية جداً من المغول في منطقة منغوليا الداخلية، ويمكن ملاحظتهم في كل مكان خصوصاً في وسط المدينة والمدينة القديمة، يوجد في وسط المدينة الجامع الكبير، وهو أقدم جامع في منغوليا الداخلية، بُني على طراز صيني بحت، يغلب عليه اللون الرمادي، يوجد به ساحة متوسطة المساحة بالداخل، تم تزيينه وتجميل جدرانه الداخلي بآيات قرآنية كتبت باللغة العربية باللون الأصفر، أما المصلي الرئيسي فهو مليئ بالآيات القرآنية المكتوبة باللون الأصفر أيضاً.

زرت الجامع الكبير لأول مرة كان ذلك قبل انتهاء شهر رمضان المبارك بليلتين، ففي نفس الفترة التي كانت صيام رمضان ٢٩ يوماً، صام المسلمون في الصين ٣٠ يوماً كاملاً، الأمر الذي جعلني أحظى بصيام يومين اثنين مع مسلمي المغول.

كانت زيارتي الأولي قبيل صلاة المغرب بنصف ساعة تقريباً، أي في حوالي السابعة والثلث مساءاً، تعرفت على من بالمسجد، حضر إلى شاب يدعى (أبو هادية) نسبة إلى إبنته التي تدعى هادية، وهي فتاة ذات خمسة أعوام، كان الشاب أبو هادية يتحدث اللغة العربية بلهجة سورية، وذلك بسبب دراسته في الجمهورية السورية لمدة خمسة أعوام، كان ذلك قبل خمسة عشر عاماً.

دعوني جماعة المسجد إلى تناول طعام الإفطار في صالة كبيرة تقع في آخر المسجد، كنت أحمل لدي تمر سكري أحضرته معي من المملكة كي أشاركهم إياه، جلست على الطاولة مع بقية أفراد المسجد، قمنا بالدعاء أولاً، ومن ثم تناولنا التمر والبطيخ والمعجنات مع حلول أذن صلاة المغرب، كان ذلك كله في زمن لا يتجاوز الربع ساعة، سرنا بعد ذلك لصلاة المغرب.

عدنا بعد الصلاة لنجد النساء قد قاموا بتحضير طعام نسميه نحن في السعودية "منتو" وهو طعام آسيوي انتقل كثيراً بين مدن طريق الحرير، يسمونه في دول آسيا الوسطى "منتي" أما في الصين، فإنهم يسمونه "جاوتز".

أوردوس

وهي مدينة صغيرة تبعد عن العاصمة خوخاخوت حوالي ساعتين بواسطة القطار، على الرغم من زياراتي المتعددة لمختلف مدن الصين، إلا أنها أول مدينة أراها هادئة جداً، جداً، لا تعكس ضجيج وازحام السكان المعتاد عليه في معظم مدن الصين، لا يتجاوز عدد سكان هذه المدينة … نسمة.

لا يوجد ما يستحق العناء للوصول إلى هذا المدينة إلا لزيارة المنطقة التي يقال عنها إنها مرقد جنكيزخان، فضلاً عن بعض المتاحف المتواضعة أيضاً

هنا يرقد جنكيزخان

بالقرب من مدينة أوردوس، يوجد ضريح ضخم جداً يقال أنه مرقد جنكيزخان، القائد المغولي الدموي الشهير، تختلف الأقاويل كثيرًا عن مكان دفنه، ذكرت بعض المصارد بأنه مدفون هنا، عندما سألت المغول في "منغوليا الخارجية" أجابوا بعكس ذلك، ولا يوجد حقيقة واضحة حتى الآن، على الأقل بالنسبة لي

IMG_2519.JPG

حيث يرقد جنكيزخان

كما تشير الإحتمالات

صحراء جافة

وهو مالم أحرص على زيارته خلال تواجدي في منغوليا الداخلية، تحتوي المنطقة بمجملها على نسبة عالية من صحراء جوبي الشهيرة، تكثر بها الجمال ذات السنامين كمنغوليا تماماً، وهي أحد الأنشطة التي يقوم بها السياح عند زيارتهم لمنغوليا الداخلية، لم يكن فصل الصيف ولا شهر رمضان المبارك وقتاً مناسباً لي لزيارة الصحراء، فضلاً عن زيارتي لصحراء جوبي مسبقاً وبشكل موسع عندما زرت منغوليا الخارجية.

المراعي الخضراء

وهي أول ما يجب عليك رؤيته خارج العاصمة خوخاخوت، يوجد العديد من المراعي الخضراء تتشابه كثيرًا وتختلف قليلاً، زيارة منطقة واحدة قد تغنيك عن زيارة البقية.

مراعي (Huitengxile): تبعد حوالي أربعة ساعات عن العاصمة خوخاخوت، من الجميل زيارتها إن كنت تملك الوقت الكافي في منغوليا الداخلية.

مراعي (Gegentala): تبعد حوالي ساعتين عن العاصمة، مناسبة للذهاب والعودة في نفس اليوم، يوجد بها خيم مغولية (مصطنعة) للإقامة وبعض من المطاعم المتواضعة

مراعي (Xilamuren): وهي اشهر أنواع المراعي القريبة من العاصمة، تبعد حوالي ساعة ونصف عن خوخاخوت.

أما إن كنت تريد رؤية المراعي المميزة، فيمكنك زيارة (Hulunbuir)، بواسطة الطائرة، اذ تقع Hulunbuir في أقصى الشمال الشرقي من المقاطعة، وتتميز بوجود أنهار عدة تمر من خلال المراعي بمنظر مميز وجميل

IMG_2392.jpg

المراعي الخضراء

كما تبدو في منغوليا الداخلية

الطعام في منغوليا الداخلية

حلوى محلية الصنع، مكونة مع الأرز والتمر والعسل

يغلب على المغول تناول اللحوم بشكل عام، ولكن، وبسبب التداخل مع الثقافة الصينية من القوميات الأخرى، أصبح في منغوليا الداخلية طعام متنوع جداً، عند إقامتك في العاصمة خوخاخوت، لا تفول زيارة الحي الإسلامي الذي يحتوي على مالذ وطاب من طعام شهي، بعضه مغوليه، والآخر صيني، وتحديداً من مقاطعة غانسو المسلمة. أما خارج العاصمة فالطعام أغلبه إما مغولي أو صيني، وهو ليس بطعام كتابي على أغلب تقديو.

عيد الفطر المبارك

وهو أسعد يوم لي في منغوليا الداخلية، تجمع المسلمون من جميع أرجاء المدينة لحضر صلاة العيد، كانت الصلاة تختلف بشيء بسيط جداً لاختلاف المذهب الفقهي، فالمسلمون في جمهورية الصين الشعبية وبعض الدول الآسيوية يتبعون المذهب الحنفي.

رأيت الفرح في وجوه جميع المصلين بعد الصلاة، كنا نسلم على بعضنا البعض بفرح وسرور، ألتقيت بثلة من الشباب من جمهورية باكستان الإسلامية، وهم طلاب يدرسون في كلية الدراسات العليا هنا في خوخاخوت، كما التقيت بالشاب الكريم أبو هادية وبابنته وبأخويه.

منغوليا الداخلية بشكل عام

بالنسبة لي، إن كنت تريد زيارة الثقافة المغولية بشكل عميق، فمن الأفضل زيارة دولة منغوليا (منغوليا الخارجية) وهي دولة مستقلة يتحدث سكانها اللغة المغولية والروسية أحياناً، كتبت عن رحلتي إلى منغوليا بشكل مفصل، بإمكانك الإطلاع على تقارير منغوليا (إضغط هنا)، أما عن منغوليا الداخلية، فلا أراها جهة مناسبة لمن يهتم بشكل عميق عن الحضارة المغولية، بالنسبة لي، فإني أحرص على زيارة منطقة مختلفة في كل مرة أزور بها الصين لرؤية الإختلاف العرقي واختلاف القوميات بها، إن كنت كذلك، فستكون منغوليا الداخلية وجهة مناسبة لك.